فهرس الكتاب
ثانيا: إذا اتضح أن محل التغيير إنما يتعلق بجزء من المسعى -وهو محل الهرولة- فينبغي أن يُعلم أن هذا التغيير -إن صح حصوله- فهو مخصوص بجزء يسير من هذا الموضع المخصوص؛ وذلك أن دار ابن عباد كانت عند مبتدأ الوادي -محل الهرولة- وفي محلها وُضع علم السعي المعلق على منارة المسجد -منارة باب علي- الذي يذكره الفقهاء في كتبهم؛ وهو مبتدأ الهرولة للقادم من الصفا إلى المروة، وفي هذا يقول ابن عمر رضي الله عنهما: (السعي من دار ابن عباد إلى زقاق بني حسين) علقه البخاري في صحيحه 3/501 مع الفتح.
وقد تكلم المؤرخون عن موضع دار ابن عباد وأنها كانت عند حد ركن المسجد الحرام؛ يقول الأزرقي 2/79: (وكان باب دار محمد بن عباد بن جعفر عند حد ركن المسجد الحرام اليوم، عند موضع المنارة الشارعة في بحر [وفي نسخة: في نحو] الوادي، فيها علم المسعى، وكان الوادي يمر دونها في موضع المسجد الحرام اليوم) . وانظر أخبار مكة للفاكهي 2/208.
والمقصود أن هذه الدار في طرف من الوادي من الجنوب ولم تستوعبه كله؛ فهو إذن تغيير يسير، لا كما يتصوره بعضهم أنه تغيير كبير، ويتأيد هذا بقول الفاسي شفاء الغرام 1/520: (والظاهر -والله أعلم- إجراء المسعى [كذا، ولعل الصواب: السعي] بموضع السعي اليوم وإن تغير بعضه عن موضع السعي قبله) .
ويؤيد أن التغيير يسير ليس بذي بال أن الأزرقي -نفسه- لما تكلم عن رباع مكة ودور أهلها وبلغ بحديثه إلى دار عباد بن جعفر أشار إلى جعل الوادي فيها ولم يشر إلى شيء يتعلق بالمسعى؛ حيث يقول 2/259-260: (فلما أن وسع المهدي المسجد الحرام في سنة سبع وستين ومائة وأدخل الوادي في المسجد الحرام، أُدخلت دار عباد بن جعفر هذه في الوادي؛ اشتريت منهم وصُيرت بطن الوادي اليوم، إلا ما لصق منها بالجبل -جبل أبي قبيس-) .