فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 169

فمن أثر هذه الرحمة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر

فينبغي على العبد (أن يرحم عباد الله الغافلين فيصرفهم عن طريق الغفلة إلى الله - عز وجل - بالوعظ والنصح بطريق اللطف دون العنف وأن ينظر إلى العصاة بعين الرحمة لا بعين الإزراء وأن يكون كل معصية تجري في العالم كمصيبة له في نفسه فلا يألو جهدا في إزالتها بقدر وسعه رحمة لذلك العاصي أن يتعرض لسخط الله ويستحق البعد من جواره(1 ) ) ولكن (اعلم أنَّ الأمرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المنكرِ تارةً يحمِلُ عليه رجاءُ ثوابه ، وتارةً خوفُ العقابِ في تركه ، وتارةً الغضب لله على انتهاك محارمه ، وتارةً النصيحةُ للمؤمنين ، والرَّحمةُ لهم ، ورجاء إنقاذهم ممَّا أوقعوا أنفسهم فيه من التعرُّض لغضب الله وعقوبته في الدُّنيا والآخرة ، وتارةً يحملُ عليه إجلالُ الله وإعظامُه ومحبَّتُه ، وأنَّه أهلٌ أنْ يُطاعَ فلا يُعصى ، ويُذكَرَ فلا يُنسى ، ويُشكر فلا يُكفر ، وأنْ يُفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال .

وكما قال بعضُ السَّلف: وددت أنَّ الخلقَ كلَّهم أطاعوا الله ، وإنَّ لحمي قُرِض بالمقاريض .

وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز - رحمهما الله - يقول لأبيه: وددتُ أنِّي غلت بيَ وبكَ القدورُ في الله - عز وجل - .

ومن لَحَظَ هذا المقامَ والذي قبله ، هان عليه كلُّ ما يلقى من الأذى في الله تعالى ، وربما دعا لمن آذاه ، كما قال ذلك النَّبيُّ ' لمّا ضربه قومُه فجعل يمسَحُ الدَّمَ عن وجهه ، ويقول: (( ربّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون ) )) .

وبكلِّ حالٍ يتعين الرفقُ في الإنكار ، قال سفيان الثوري: لا يأمرُ بالمعروف ويَنهى عن المنكرِ إلاّ من كان فيه خصالٌ ثلاثٌ: رفيقٌ بما يأمرُ ، رفيقٌ بما ينهى ، عدلٌ بما يأمر ، عدلٌ بما ينهى ، عالمٌ بما يأمر ، عالم بما ينهى .

(1) الغزالي المقصد الأسنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت