الصفحة 112 من 114

والليبراليون عندما يتصدون لمعالجة الآفات الاجتماعية، فهم ينطلقون في مواقفهم من المرجعية الفكرية، التي يؤمنون بها، ويحتكمون للمعايير الغربية في الحكم على الأشياء.

فعندما كان المصلحون يطالبون بإلغاء البغاء الرسمي. كان الليبراليون يرفضون هذه الدعوة!! فقد عدّها د. محمد حسين هيكل، بمثابة دعوة إلى"إلغاء الرقابة الصحية"ليس إلا، ونفى قدرة أي قانون على إلغاء البغاء من الوجود، وإلا لاستطاعت الشريعة الإسلامية تحقيق ذلك [1] ، ولجأ إلى التهكم والتشكيك والتجريح في رده على دعوة الشيخ محمود أبو العيون لإلغاء البغاء، وكل ذلك دفاعًا منه عن حكومة عدلي يكن، فكان الدافع السياسي كالعادة يتدخل في أسلوب معالجة المثقف أو المفكر للقضية أية قضية.

لكن"السياسة"عادت بعد عقد من الزمان وفي إحدى افتتاحياتها [2] ، التي عادة ما يكتبها د. هيكل رئيس التحرير، إلى الشكوى من"حي البغاء"في القاهرة وما يحويه من جرائم، وطالب بإلغائه أو ترحيله على الأقل، فهو يُسيء إلى صورة مصر، ويُساهم في زيادة الجرائم، وينشر الرذيلة فيما حوله من شوارع وأحياء.

والمنهج الذي يحكم الموقف، هو منهج علماني، يحترم الحرية الشخصية حتى في مجال"حرية الرذيلة"، لكن على أن لا تشكل اعتداءً على حرية الآخرين!!

وعندما يتصدى الليبراليون لمعالجة بعض الآفات الاجتماعية، فلا تجد نهجًا واضحًا، أو معيارًا منطقيًا، أو اتساقًا في الرؤية، بل تجد نوعًا من التضارب.

(1) د. محمد حسين هيكل،"إصبع مأجورة، لا للفضيلة ولا للدين"، السياسة، ع1222، 4 أكتوبر (تشرين أول) 1926، ص3.

(2) السياسة، ع4133، 16 أكتوبر (تشرين أول) 1936، ص3. وحول موقف الصحافة الليبرالية من مشكلة البغاء، انظر، أنور الجندي، الصحافة والسياسة في مصر، ص601 - 605.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت