فهرس الكتاب
لكن د. هيكل وضمن سياق المراجعات الفكرية الذي اختطه لنفسه منذ نهاية العشرينيات، يعود إلى الاعتذار عن الأسلوب الإقصائي الذي انتهجه حيال دور الدين في صياغة المجتمع المنشود، إذ يصرح"أشعر اليوم بأن ما تخيَّلته في زمن من الأزمان عن العلم التجريبي واقتداره المطلق على حل كل ألغاز الكون، والحلول بذلك في نفس الجماعات، محل الإيمان، ليس يبلغ من نفسي إلى مكان العقيدة واليقين، بمقدار ما كان يبلغ في صدر شبابي"لذلك فهو يدعو إلى إعادة الاعتبار إلى الإيمان، وإلى"الجانب الروحي"في تكوين الفرد والجماعة، ويطالب بوجوب"أن نبحث الإيمان على أنه واقعة اجتماعية لا حياة للجماعات بدونها"، فالمطلوب إذًا هو التوفيق بين"العقل والروح"، لكن ما هو دور الروح في هذه التوفيقية؟ دور الدين هو تحقيق الراحة النفسية للإنسان من أعباء الحياة وهمومها ليس أكثر،"لابد إذًا من مَثَل أعلى تؤمن به الجماعة وتجد من تطلعها إليه وهيامها به ما يُنسيها ما في الحياة من هم وبأساء" [1] .
وهذا ما عبّر عنه في وقت لاحق أحمد أمين، وهو يكشف"أكاذيب المدنية الحديثة"، مؤكدًا أن أخطرها كان الفصل بين "الجانب المادي، و"الجانب الروحي"ولذلك لابد من إقامة التوازن بينهما [2] ."
وتحدّث د. هيكل عن ما يُعانيه الغرب من أزمة روحية، وقلق نفسي، جراء شيوع المادية وثقافة الإلحاد، وتعاطف مع مشكلة الفراغ الروحي لدى الغرب، وتمنى لها نهاية سريعة، ولعل الشرق بميراثه الروحي العظيم يُسهم في ذلك [3] .
3 -الدعوة إلى التغريب:
(1) د. محمد حسين هيكل،"العقل والروح، وجوب تعاونهما لإقامة الحضارة،"، السياسة الأسبوعية، ع167، 18 مايو (أيار) ، 1929، ص1.
(2) أحمد أمين،"أكاذيب المدنية"، الهلال، م45، ع7، أول مايو (أيار) ، 1937. ص 729 - 733.
(3) د. محمد حسين هيكل،"النور الجديد أيًا يكون مطلعه؟"، الهلال (القاهرة) ، م36، جـ4، أول فبراير (شباط) 1928، ص399 - 403.