المسلم معظِّم للشرع مقدِّم له على كل شيء ؛ على الآراء والأقوال ، على العقول والأفهام ، على الرجال ، على النفس والمال ، يرى الشريعة معصومة ، يقبل منها كل ما جاءت به وثبتت نسبته إليها ؛ حتى لو لم يستوعب ذلك عقله ، أو لم تتبين له في ذلك الحكمة ، ويظهر ذلك المعنى جليًا في الحج ، يظهر في كل شعيرة من شعائره ، وأظهر ما يكون في ذلك تقبيل الحجر الأسود ، فالحجر الأسود حجر ، والحجر لا يضر ولا ينفع ، ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَّله ، والمسلم المتبع لأجل ذلك يقبِّل الحجر ويحرص عليه اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم وثقةً فيه .
وقد سجَّل هذه القضية الصاحب الجليل والخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما أراد أن يقوم بهذا العمل فقال: ( « إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبّلك ما قبّلتك » ) [ أخرجه البخاري ، كتاب الحج ، باب: ما ذكر في الحجر الأسود ، رقم (1494) ] . قال ابن حجر - رحمه الله -: (« وفي قول عمر هذا:(التسليم للشارع في أمور الدين ، وحسن الاتباع فيما لم يُكشف عن معانيها ، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعله ولو لم تُعلم الحكمة فيه ) [ فتح الباري ، (3/463) ] ، وهذا الدرس لم يفهمه الكثير ممن قدَّم عقله وفكره وهواه ، أو ممن قدَّم رغبته وشهوته ، أو ممن توقف في امتثال الأمر أو النهي الثابت بالدليل حتى يعلم العلة أو الحكمة.
5 -البراءة من الشرك وأهله: