الصفحة 150 من 156

الذين فسقت قلوبهم من قبل، وخرجت عن الهدى والحق، فجزاؤهم زيادتهم مما هم فيه!

ويُفَصَّل السياق صفة الفاسقين هؤلاء، كما فصل في أول السورة صفة المتقين؛ فالمجال ما يزال، في السورة، هو مجال الحديث عن تلك الطوائف، التي تتمثل فيها البشرية في شتى العصور:"الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ"..

فأي عهد من عهود الله هو الذي ينقضون؟ وأي أمر مما أمر الله به أن يوصل هو الذي يقطعون؟ وأي لون من الفساد في الأرض هو الذي يفسدون؟

لقد جاء السياق هنا بهذا الإجمال لأن المجال مجال تشخيص طبيعة، وتصوير نماذج، لا مجال تسجيل حادثة، أو تفصيل واقعة .. إن الصورة هنا هي المطلوبة في عمومها. فكل عهد بين الله وبين هذا النموذج من الخلق فهو منقوض؛ وكل ما أمر الله به أن يوصل فهو بينهم مقطوع؛ وكل فساد في الأرض فهو منهم مصنوع .. إن صلة هذا النمط من البشر بالله مقطوعة، وإن فطرتهم المنحرفة لا تستقيم على عهد ولا تستمسك بعروة ولا تتورع عن فساد. إنهم كالثمرة الفجة التي انفصلت من شجرة الحياة، فتعفنت وفسدت ونبذتها الحياة ..

إن الإسلام ليس بهذا التميع الذي يظنه المخدوعون! إن الإسلام بيّن، والكفر بين .. الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله ـ بذلك المدلول ـ فمن لم يشهدها على هذا النحو؛ ومن لم يُقِمْها في الحياة على هذا النحو، فحكم الله ورسوله فيه أنه من الكافرين الظالمين الفاسقين .. المجرمين ..

ـ وفي تفسير الطبري [1] :

"وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ"يقول: والله لا يوفِّق لإصابة الحقّ، القوم الذين اختاروا الكفر على الإيمان.

"إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ"يقول: إن الله لا يوفِّق للإيمان القوم الكاذبين عليه، الكافرين به، الخارجين عن طاعته.

ـ وفي تفسير القشيري:

(1) تفسير الآية: 5، من سورة الصف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت