السفرة الكرام البررة:
قال القاضي في إكمال المعلم: يحتمل -والله أعلم- أَنَّ له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقًا للملائكة السفرة، لاتصافه بوصفهم بحمل كتاب الله، ويحتمل أن يكون المراد: أنه عامل بعملِ السفرة وسالك مسلكهم، كما يقال: فلان مع بني فلان، إذا كان يرى رأيهم ويذهب مذهبهم، كما قال لوط -عليه السلام-: {وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: ١١٨] ، وقد جاء في بعض الأخبار أن من تعلَّمه من صغره وعمل به خلطه الله بلحمه ودمه، وكتبه عنده من السفرة الكرام البررة (١) .
فمن تعاهد نفسه بالأعمال الصالحة وأدّاها بإحسان، ويومه مملوء بالأذكار وقراءة القرآن حتمًا سيكون قلبه مليئًا بنور ربه. لقد علم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك ووعوه جيدًا فكانوا يسمون الأذكار بالإيمان، فقد كان معاذ بن جبل -رضي الله عنه- يقول لرجل: (اجلس بنا نؤمن ساعة) (٢) ، وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- أنه يأخذ بيد النفر من أصحابه، فيقول: (تعالوا نؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله ونزداد إيمانًا، تعالوا نذكره بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته) (٣) . وفي رواية عن أبي الدَّرْدَاءِ رضي الله تعالى قَالَ: كَانَ ابن رَوَاحَةَ يَأْخُذُ بِيَدِي وَيَقُولُ: «تَعَالَ نُؤْمِنْ سَاعَةً، إِنَّ الْقَلْبَ أَسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا» (٤) .
قال أهل العلم في معنى (نؤمن ساعة) : نذكر الله (٥) .