فشتان بين هذا وهذا.
فعمل الأول نظير لعمل الثاني من حيث الظاهر إلا أن الأول يهوي به عمله في الدركات -إن لم يتداركه الله -عز وجل- بلطفه ورحمته-، والآخر معصيته تصغر وتتضاءل بسبب ما قام في قلبه من الخوف والحياء من الله تعالى، ولا يمكن أن يُطلع أحدًا على ذلك، فهو في غاية الوجل، وإذا تذكرها خاف وأشفق منها، فكم من الفرق بين هذا وهذا!.
مثال ذلك الجهاد في سبيل الله؛ عندما أتى رجال للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليحملهم فقال لهم: "لا أجد ما أحملكم عليه" تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون، فهؤلاء كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ» (١) .
والسبب أن العذر قد حبسهم، فالإنسان قد لا يستطيع أن يعمل بعض الأعمال، ولكنه يبلغ مبلغ العاملين لها بنيته، ولهذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ» (٢) .
فدل على أن الإنسان إن لم يقم بالغزو ببدنه وجوارحه؛ فعليه أن يستحضر النية، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (٣) . فالنية لربما تكون معوضة عن عمل قد يعجز عنه الإنسان، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ