فهرس الكتاب
والعالم وإن كانت زلته دون قصدٍ ولا تعمدٍ، وهو في اجتهاده «معذور ومأجور، لكن مما ينبني عليه في الاتباع لقوله فيه خطر عظيم، وقد قال الغزالي: إن زلة العالم بالذنب قد تصير كبيرة وهي في نفسها صغيرة، وذكر منها أمثلة، ثم قال: فهذه ذنوب يتبع العالم عليها فيموت العالم ويبقى شره مستطيرًا في العالم أيامًا متطاولة، فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه» (1) [78] ).
لكنني أؤكد أن كل ما سبق لا يؤثر على مقدار العالم وتبجيله في وسط المجتمع المسلم، ولا يجعل أتباعه أيضًا يتبعونه في كل شيء ويسلموه دينهم في كل شيء تعصبًا، ولا يجعل مخالفيهم يتشغبون عليه وعليهم تفسيقًا وتضليلًا وتبديعًا، بل غاية ما يفعلونه نصحهم بود، وإنكار خطأهم برفق، ولننظر في القصة التالية وكيف تعامل معها محقق كالإمام الذهبي، فيما لو صحت، فقد قال أحمد بن حنبل: بلغ بن أبي ذئب أن مالكًا لم يأخذ بحديث البيعان بالخيار فقال: يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم قال: أحمد هو أورع وأقول بالحق من مالك. قلت: لو كان ورعًا كما ينبغي لما قال: هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث لأنه رآه منسوخًا، وقيل عمل به وحمل قوله حتى يتفرقا على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث وفي كل حديث له أجر ولا بد فإن أصاب ازداد أجرًا آخر، وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية، وبكل حال فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما رضي الله عنهما (2) [79] )، وقد اعتذر الأمام أحمد للإمام مالك في تأوله لهذا الحديث بما يدل على سعة صدره مع مخالفيه، فقال: «ومالك لم
(1) 78]) الموافقات، 4/ 170.
(2) 79]) سير أعلام النبلاء،7/ 139، وقد ثبتت القصة عنهما،وانظر تفصيل ذلك في: أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين، ص132 .