الصفحة 14 من 177

وأكتفي هنا بمثال، قد اعتبره كافيًا ليكون نافذة على الحالة التي يستبد معها التعصب بالعقول ويستأثر بالنفوس، ويصب العقل بشكل عام في أوعية معدنية، ويسود ضيق العطن (بالآخر) حتى ولو كان مسلمًا، ومن الجماعة نفسها، حيث يصل التعصب وحدة الاختلاف إلى مرحلة يصبح المشرك معها يأمن على نفسه عند بعض الفرق، التي ترفع شعار الإسلام والحكم الإسلامي، التي ترى أنها على الحق المحض الذي ليس بعده إلا الضلال.. لقد أصبح المشرك يأمن على نفسه أكثر من المسلم المخالف بوجهة النظر والاجتهاد، حيث لا سبيل أمام المسلم للخلاص من التصفية الجسدية إلا بإعلان وإظهار صفة الشرك (!)

«يروى أن واصل بن عطاء أقبل في رفقة فأحسوا الخوارج، فقال واصل لأهل الرفقة: إن هذا ليس من شأنكم، فاعتزلوا ودعوني وإياهم، وكانوا قد أشرفوا على العطب. فقالوا: شأنك. فخرج إليهم، فقالوا: ما أنت وأصحابك؟ قال: مشركون مستجبرون ليسمعوا كلام الله ويعرفوا حدوده. فقالوا: قد أجرناكم.. قال: فعلمونا. فجعلوا يعلمونه أحكامهم، وجعل يقول: قد قبلت أنا ومن معي. قالوا: فامضوا مصاحبين فإنكم إخواننا. قال: ليس ذلك لكم، قال الله تبارك وتعالى: (( وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) )فأبلغونا مأمننا، فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ذاك لكم. فساروا بأجمعهم حتى بلغوا المأمن» (الكامل في اللغة والأدب للمبرد: 2/122) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت