فهرس الكتاب
ولعل من النعم الكبيرة، أن جعل الإسلام الاختلاف في وجهات النظر والتباين بالآراء والتعددية بالأفكار، لا يؤدي إلى التفرق في الدين، أو تفريق الدين، ووجود الشيع الذي نهى الله عنه بقوله: (( وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )) (الروم:31 - 32) ذلك أن التعددية والتباين والاختلاف في وجهات النظر إنما تتمحور حول النص المعصوم المتأتي من معرفة الوحي، الذي يشكل مشروعية ومرجعية شرعية تؤطر الخلاف في الوقت نفسه، كما يشكل معيار التقويم الذي يحدد الخلل ويبين الخطأ، ولعل ذلك هو السبب بأن جميع الفرق تعلن أنها تنطلق في رؤاها واجتهاداتها من الكتاب والسنة.
فالنصوص المحكمة، واضحة الدلالة، في الكتاب والسنة، تؤسس وترسي قاعدة الوحدة، ومنهج النظر، ومساحة المتفق عليه، والمعايير التقويمية لكل الاجتهادات والآراء المتعددة، وفي المقابل نرى أن النصوص الظنية الدلالة تجعل المجال رحبًا أمام العقل ليدرك أقصى ما يستطيع.
ولقد جاء التراث الإسلامي في مجالات المعرفة جميعًا غنيًا بوجهات النظر، لدرجة أنه استوعب كل الاحتمالات الممكنة للنظر مع أدلتها، إلا أن هذا الطيف الواسع، الذي يتمحور حول النص أو حول معرفة الوحي، لم يفقد الأمة الانتماء، بحيث استطاعت أن تبقى متماسكة وممتدة وقادرة على العطاء خلال خمسة عشر قرنًا، بينما الكثير من الأمم والحضارات التي سادت سرعان ما بادت، وتحولت إلى مشخصات أو شواخص وحفريات حجرية، ليس لها إلا الذكرى والعبرة التاريخية.
إن مساحة المتفق عليه أو مساحة المشترك، التي أورثتها الآيات المحكمات، وبيان حدودها، وتنزيلها من قبل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، جعلت نسيج الأمة الذهني متماسكًا، ومعاييرها موحدة، ورؤيتها متقاربة.