فهرس الكتاب
كما أن الآيات ظنية الدلالة فتحت المجال واسعًا، وحرضت العقل المجتهد على بلوغ الآفاق الفكرية في مختلف الميادين.
وهنا قضية قد يكون من المفيد طرحها، والدعوة إلى إعادة النظر والمراجعة والحوار وتبادل الرأي حولها، ذلك أنه على الرغم من أن الآيات المحكمات واضحة الدلالة وقطعية الدلالة -كما أسلفنا- وأنها تشكل القيم المعيارية، أو معايير التقويم للاجتهادات الظنية المتأتية من دلالة الآيات الظنية، الأمر الذي انتهى - فيما نرى - إلى تقرير القاعدة القائلة: لا اجتهاد في مورد النص، فإن الإشكالية هنا - في تقديرنا- لا تتمثل في إبطال النص أو إلغاء حكمه للواقعة، واستبداله بحكم آخر، أو تشريع آخر للواقعة - فلا يجوز الاجتهاد في إيجاد حكم شرعي لواقعة بيَّن القرآن حكم الله فيها، والإقدام على ذلك كفر بلا جدال- وإنما الإشكالية هنا في تنزيل هذا الحكم الشرعي على الواقع أو على الواقعة.
فقد لا تكون شروط التنزيل للحكم الشرعي على الواقعة متوافرة في ذات المحل، فإذا توفرت الشروط والمقومات والاستطاعات فقد وجب التنزيل، وإذا فقدت الشروط والاستطاعات فلا يجوز تنزيل الحكم على المحل لفقدان التكليف أصلًا، حيث لا بد من الاجتهاد في معرفة الحكم الشرعي الذي يوافق الواقعة، ذلك أن العدول عن حكم شرعي لعدم توفر شروط التنزيل لا يعني إسقاط الشريعة واستبدالها، وإنما يعني الاجتهاد لمعرفة الحكم الشرعي الملائم للاستطاعة.. والأمر في كل الأحوال يدور حول الحكم الشرعي وليس العدول عنه، وليس اجتهاد عمر رضي الله عنه، في عدم قطع يد السارق عام الرمادة إلا دليل على عدم توفر شروط التنزيل، فدرأ الحد بالشبهة.. والدرء نص وحكم شرعي أيضًا.