الصفحة 18 من 177

ويقول القاسم بن محمد: «لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلاَّ رأى أنه في سعة، ورأى أن خيرًا منه قد عمله» (الاعتصام للشاطبي، 2/ 170) .

ويقول ابن تيمية، رحمه الله: «وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا، لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة» (الفتاوى، 24/ 173) .

ويقول الشاطبي، رحمه الله: «فإن الله حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار ومجالًا للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف، لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضرها هذا الاختلاف» (الاعتصام للشاطبي،23) .

ويقول الزركشي، رحمه الله: «اعلم أن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية قصدًا، للتوسيع على المكلفين، لئلا ينحصرون في مذهب واحد لقيام الدليل القاطع» (الاختلافات الفقهية، البيانوني، 23) (1) [1] ).

والكتاب الذي نقدمه، يمكن أن يعتبر محاولة جادة للتأصيل والتأسيس الشرعي، وبيان مشروعية الخلاف، واستيعاب هذه الإشكالية، وتقديم نماذج من خير القرون لكيفية التعامل معها، والتي يمكن أن تصنف على رأس الإشكاليات التي يعاني منها العقل المسلم المعاصر، حيث يتجلى عجزه عن التعامل مع آثار هذه الإشكالية في المجالات المتعددة، من فقهية وفكرية وثقافية، وعلى الأخص في أيام الأزمات التي قد تتطلب نوعًا من الفكر الدفاعي، الذي يمكن أن نطلق عليه «فكر الأزمة» أو «فكر التعامل مع الأزمة» ، والذي بدأ يعمم على الحالات والمراحل كلها، ليوقع المسلم بالتعصب والانغلاق، أو ما يسمى «بأزمة الفكر» .

(1) انظر مزيدًا في ذلك: «العمل الإسلامي بين الثوابت والمتغيرات» للدكتور صلاح الصاوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت