الصفحة 24 من 177

لعله من الأهمية بمكان في مستهل هذا البحث الإشارة إلى أن القواعد والضوابط الفقهية، بشكل عام، إنما وُضِعَتْ لتقريب استيعاب المسائل الشرعية خاصة في جزيئات الفقه المشتهرة بين أهل العلم بـ (علم الفروع) …وهي تتميز بمجموعة من الخصائص، من أهمها:

1-أنها صياغة بشرية، وضعها الفقهاء استنباطًا، وهذا يجعل حصر جميع متعلقاتها الشرعية أمرًا فوق الطاقة البشرية (1) [1] )، ومن ثم فهي أغلبية تشمل معظم الجزئيات التي تتعلق بها وليست كلية، والغاية من وضعها أن: «تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد, وتقيد له الشوارد وتقرب عليه كل متباعد» .

2-أنها نسبية، شأنها شأن كثيرٍ من الضوابط العلمية في اللغة والنحو والقراءات، التي وضعت في وقتٍ متأخرٍ عن نشوء العلم المعين الذي يُتَلقى تلقيًا، وحاول واضعوها إدخال عددٍ من الجزئيات العلمية فيها، ولذا تجد أن أهل ذلك الفن يكثرون من الاستثناءات من ذلك الضابط في فنهم…، ومن ثم فقد يقال بأن القاعدة الفقهية المعينة صحيحة بالنسبة لهذه الجزئية غير صحيحة بالنسبة لأخرى، ويترتب على هذا أن يستعان بالقاعدة للرجوع إلى النص المتعلق بها، ويجعل القاعدة الفقهية محل استشهاد لا استدلال.

3-أن فهمها إنما يكون بحسب ما يُفهِم منها أصلُ الوضع لا بحسب ما يعطيه العقل من ظاهر لفظها، مما يعني عدم الاغترار بما يظهر من تعميمٍ لعبارات أهل الفنون واصطلاحاتهم وتطبيقها على القضايا المتناولة مع عدم بذل الجهد في معرفة طبيعة القاعدة، وقرائنها الحالية المصاحبة، وأصل وضعها.

(1) قال القرافي - وهو يتحدث عن القواعد الفقهية-: «لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى» . انظر: الفروق للقرافي، 1/2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت