الصفحة 52 من 177

وقد استوعب الفقه الإسلامي وجود الاختلاف، لأن كثيرًا من النصوص «يحتمل التأويل ويُدْرَكُ قياسًا» (1) [56] )، فذهاب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس اجتهادٌ يؤجر عليه ولو أخطأ، ما دام قد سلك سبيل الاجتهاد، وإن خالفه فيه غيره .

وإذا كان الخلاف أمرًا واقعًا، وضرورة خلقية، فإنه لا يحدث الفرقة ما دام منضبطًا بميزان الشرع، بل إن الذي يحدث الفرقة هو بطر الحق، والتعصب للرأي، والاستعلاء على الآخرين، وقد تنازع بعض التابعين تنازعًا شديدًا في القراءات مع أنها جميعًا مشروعة حتى قام عثمان ( بالعمل العظيم في تعميم المصاحف، وذكرهم بمشروعية القراءة على الأحرف المنزلة.

وعلى الرغم مما يلحظ في زماننا هذا من أن أكثر أعمال الحركات والاتجاهات الإسلامية هي أعمال تكاملية؛ إذ أن معظم الأعمال التي يبرز فيها هذا الاتجاه أو ذاك هي أعمالٌ نوعية تعود إلى اختلاف التنوع، إلا أن النزاع والتنافس ونبذ استيعاب هذا النوع من الاختلاف هي السمة الطاغية، وقد يجمع كل طرفٍ من أطراف الاختلاف حقًا وباطلًا، فتحل العصبية الذميمة، وتصادرُ من كل طرف حقه وباطله، ثم يضيع الهدى نتيجةً لهذا التنازع الذميم، ويترتب على ذلك التقاطع والتدابر والمكر ببعضهم.

(1) 56]) الرسالة، ص560 ؛ وقد أخرج البخاري: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت