الصفحة 53 من 177

وقد يكون سبب ذلك إما عدم استيعاب وقوع الخلاف فكريًا أو نفسيًا أو عمليًا، وإما الإصرار على تثبيت الخطأ والصواب من كل ذي انتماء على أنه صواب محض من حزبه وفئته، وقد يستدل على ذلك بأدلة منها قاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف) «إذ التعصب سببٌ يرسخ العقائد في النفوس، وهو من آفات علماء السوء، فإنهم يبالغون في التعصب للحق، وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة، والمقابلة والمعاملة، وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل، ويقوى غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه، ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة لا في معرض التعصب والتحقير لأنجحوا فيه، ولكن لما كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع، ولا يستميل الأتباع مثل التعصب واللعن والشتم للخصوم، اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم وسموه ذبًا عن الدين ونضالًا عن المسلمين، وفيه على التحقيق هلاك الخلق، ورسوخ البدعة» (1) [57] ).

فإذا عرف أن الاختلاف حقيقةٌ واقعية، بل إن الاختلاف في الأحكام أكثر من أن ينضبط، سهل تربية النفس على الموقف الصحيح منه، نابذًا ابتداءً كل تقطيعٍ لعرى الأخوة لمجرد وقوع الخلاف بينهما، «ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شىء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة» (2) [58] ).

(1) 57]) إحياء علوم الدين، 1/40.

(2) 58]) مجموع فتاوى ابن تيمية، 24/ 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت