فهرس الكتاب
إن وقوع الاختلاف، يفترض أن يؤدي إلى أخذ الصواب من كل طرف، ولا تمنع هيبة المخطئ من الإنكار عليه، لكن دون حطٍ أو تفريطٍ في حقوق الأخوة الإسلامية؛ كما قال الذهبي: «وبين الأئمة اختلاف كبير في الفروع وبعض الأصول، وللقليل منهم غلطات وزلقات، ومفردات منكرة، وإنما أُمِرْنا باتباع أكثرهم صوابًا، ونجزم بأن غرضهم ليس إلا اتباع الكتاب والسنة، وكل ما خالفوا فيه لقياس أو تأويل، وإذا رأيت فقيهًا خالف حديثًا أو رد حديثًا أو حرف معناه فلا تبادر لتغليطه... وإنما وضعت المناظرة لكشف الحق، وإفادة العالم الأذكى العلم لمن دونه، وتنبيه الأغفل الأضعف» (1) [59] )...
وقد يكون مع كل طرفٍ شيءٌ من الصواب وشيء من الخطأ، فيؤخذ الصواب من كل طرف مع التماس العذر في وقوع الخطأ.
أثر الخلاف في المسائل الفقهية
من حيث الإنكار وعدمه
البحث عن الخلاف، وطبيعته، وأسباب حدوثه، وآدابه، ليس مجال هذا البحث؛ الذي يهتم بتناول الخلاف من حيث إنه حدثٌ واقعٌ ظاهر في حياة المسلمين العلمية، في الميدان الشرعي، ولا بد من شرح مبسط لقاعدة البحث قبل الدخول في مناقشتها باعتبارها وضعت (قننت) حكمًا عند حدوث الاختلاف، وأرشدت إلى معالم لاستيعاب الخلاف سارت عليها الحياة الفقهية عند الأمة الإسلامية .
فقد تضمنت هذه القاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف) عدة معالم علمية وفقهية، وأرست عدة مبادئ للجدل والحوار بحسب ظاهر لفظها ومفهومها، منها:
1-أرست مبادئ للحوار والمناظرة بين المختلفين، يقف على رأسها حسن الظن بالمخالف، وعدم الإنكار عليه باليد...أما الإنكار عليه نصحًا، أو مناظرةً، أو مشاورةً، أو مباحثةً، أو تخطئة على نتيجة الاجتهاد مع أدب القول... فهذا كان دأب أهل العلم في كل خلاف مذ كان عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) 59]) فيض القدير، 1/ 210.