الصفحة 60 من 177

على أن الإمام الغزالي، رحمه الله تعالى، قد بنى مذهبه هذا على أن كل مجتهد مصيب في المسائل الفقهية، حيث قسم المسائل العلمية الشرعية إلى: المسائل الفقهية وهي أحكام الحل والحرمة التي يتصور أن يقال فيها (كل مجتهدٍ مصيبٌ) ، والمسائل العلمية العقدية والعقلية التي لا يتصور فيها ذلك (1) [8] ).

وواضحٌ أنه - إذا سلمنا عدم مجانبة هذا القول للنص الشرعي الآمر عند التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة- فإن أقل ما يمكن أن يقال فيه: إنه مخالفٌ لما اشتهر من إنكار الصحابة بعضهم على بعض- مما سترد أمثلة له، إن شاء الله تعالى- بل لفعل الفقهاء حيث يرد بعضهم قول بعض عند مناقشة كثيرٍ من مسائل الفقه، كما هو ظاهر في كتب علم الكلام أو علم الأصول، أو علم الفقه المسمى بعلم الفروع... والظاهر أن هذا غير غائبٍ عن الإمام رحمه الله، فلعله أراد بالإنكار هنا التغيير باليد، وأما باللسان فأقل الحالات أنه لا بأس ببيان كون المختلف فيه منكرًا عند القائل به على سبيل الإقناع والإرشاد، وبيان الدليل من غير اصطحاب توبيخٍ أو تقريع... ولذا فإن أكثر الشافعية يرون حد الحنفي إذا شرب نبيذًا، لضعف أدلته (2) [9] ).

القول الثالث: معيار الإنكار مذهب المحتسب عليه إلا في حالات استثنائية أهمها بُعْدُ المأخذ:

وإليه ذهب الإمام السيوطي، فقد قال في كتابه الأشباه والنظائر: «لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المجمع عليه (3) [10] )، وتستثنى صورٌ ينكر فيها المختلف فيه:

إحداها: أن يكون ذلك المذهب بعيد المأخذ بحيث ينقض، ومن ثم وجب الحد على المرتهن بوطئه المرهونة، ولم ينظر لخلاف عطاء.

الثانية: أن يُتَرافَعَ فيه لحاكمٍ فيحكم بعقيدته، ولهذا يحد الحنفي بشرب النبيذ إذ لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف معتقده.

(1) انظر الإحياء، 2/ 326.

(2) انظر تحفة المحتاج، 9/ 218 .

(3) 10]) وكذلك ذكر الإمام النووي في شرح مسلم، 2/ 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت