الصفحة 59 من 177

وصرح بهذا الإمام الغزالي، رحمه الله تعالى، حين ذهب إلى أن من شروط الإنكار: «... أن يكون كونه منكرًا معلومًا بغير اجتهاد، فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا حسبة. فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضب والضبع ومتروك التسمية، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه النبيذ غير المسكر، وتناوله ميراث ذوي الأرحام، وجلوسه في دارٍ أخذها بشفعة الجوار. نعم لو رأى الشافعي شافعيًا يشرب النبيذ، وينكح بلا وليٍ ويطأ زوجته فهذا في محل النظر، والأظهر أن له الحسبة والإنكار…» (1) [6] )، وتابعه الشيخ زكريا الأنصاري في كتابه «أسنى المطالب» إلا أنه استثنى من ناحية عملية بعض المسائل المختلف فيها كشرب النبيذ فإن «أدلة عدم تحريمه واهية» (2) [7] ) على حد تعبيره، وهذا يدل على شعوره بأن قاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) لا تنطبق على كل مسألةٍ مُخْتَلَفٍ فيها.

وبذلك فإن الإمام الغزالي يرى:

1-أن من شروط الإنكار: أن يكون المنكر معلومًا، ولكن كلمة (معلومًا) ليست واضحة هنا: فهل المراد بها ورود نص قطعي الدلالة أو يكفي أن تكون دلالته ظاهرة؟

2-أن ما هو محل الاجتهاد فلا حسبة فيه.

3-أنه ليس لأحدٍ أن ينكر على أحدٍ فعله ما دام مباحًا في مذهب الفاعل.

4-أنه يجب على كل مقلدٍ اتباع مذهب مقلده، فإن خالفه أُنْكِر عليه في الأظهر.

5-أن معيار التذكير بالإنكار الفعلي والقولي هو المذهب، فمن فعل شيئًا رآه جائزًا في مذهبه فلا يُنْكَرُ عليه وإن كان مخالفًا لظاهر النص.

(1) إحياء علوم الدين، 2/ 325؛ ونحوه قرر محمد القرشي الشافعي في كتابه معالم القربة في معالم الحسبة، ص197.

(2) أسنى المطالب شرح روض الطالب، 4/ 180.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت