الصفحة 68 من 177

وعن أبي عوانة قال: شهدت أبا حنيفة وكتب إليه رجل في أشياء فجعل يقول: يقطع يقطع، حتى سأله عمن سرق من النخل شيئًا، فقال: يقطع، فقلت للرجل: لا تكتبن هذا. هذا من زلة العلم. قال لي: وما ذاك. قال قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلا كَثَرٍ» قال: امح ذاك، واكتب لا يقطع لا يقطع (1) [27] ).

ولذا ذكر القرطبي عددًا من المسائل المنقولة عن أهل العلم والدين، وبين أنها زلات لا يجوز اتباعها، ومن ذلك قوله: «ذكر النسائي في كتابه أن أول من أحل المسكر من الأنبذة إبراهيم النخعي، وهذه زلة من عالم، وقد حذرنا من زلة العالم، ولاحجة في قول أحدٍ مع السنة، وذكر النسائي أيضًا عن ابن المبارك قال: ما وجدت الرخصة في المسكر عن أحد صحيحًا إلا عن إبراهيم» (2) [28] ).. وعن إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: دخلت على المعتضد فدفع إليّ كتابًا نظرت فيه، وكان قد جمع له الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين! مصنف هذا الكتاب زنديق. فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالمٍ إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه. فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب (3) [29] ).

لذلك يمكن أن يقال: إذا أخذنا بالخلاف في كل شيء، فكيف تعد الزلة خلافًا ؟

ومما يدل -أيضًا- على عدم الأخذ بإطلاق قاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف) ، وعلى عدم اعتبار الخلاف حكمًا، عند من قرر هذه القاعدة من ناحية عملية، أنهم ينكرون بعض مسائل الخلاف باليد عند الاقتضاء.

(1) 27]) السنة لعبد الله بن أحمد، 1/ 221.

(2) 28]) القرطبي، 10/ 132.

(3) 29]) سنن البيهقي الكبرى،10/ 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت