الصفحة 13 من 111

والوحي يعني في أحد معانيه الإلهام الفطري عند الإنسان، والغريزي عند الحيوان، كما جاء في قول الله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} (سورة النحل، الآية 68) فالإلهام الفطري وصوت الضمير لدى الإنسان هو نوع من الوحي يختلف عن الوحي إلى الرسل. وكما أن للإنسان نفس تميل إلى الهوى، وحوله شياطين توسوس له بالشر، فإن لديه العقل والقلب والضمير، وحوله ملائكة توحي إليه بالخير.

حقيقة الوحي إلى الرسل

وحقيقة الوحي لا تدرك عن طريق العقل المجرد والتصورات الشخصية انطلاقًا من المحسوس وبعيدًا عن الغيب، وهي أيضًا لا تدرك بمجرد الرياضة الروحية على هامش عالم المادة. وإذا قلنا إن الوحي إلهام فاض من العقل الباطن أو النفس الروحاني فانعكس على البصر، فمعنى ذلك أن الوحي خارج من نفس الرسول. ولكن الحق هو أن الوحي نازل إلى الرسول من السماء عن طريق ملك هو جبريل.

إن حقيقة الوحي إلى الرسل تختلف عما يذكره"جورج بوست"من أنه >حلول رُوح اللّه في روح الكُتَّاب الملهمين لإطلاعهم على الحقائق الروحية والغيبيات< (25) . لقد فتح هذا التصور مجالًا للمنكرين إلى اعتبار الوحي ظاهرة هلوسة وخيال نابعة من أعماق نفس مريضة.

وقد عزز بعض الفلاسفة هذا المنظور فأسندوا الوحي إلى اتصال النفس الإنسانية الناطقة بالنفوس الملكية اتصالًا معنويًا. ولكن ليس عندهم فرق بين الوحي والإلهام.

صورة الوحي

أما صُوَرُهُ فهو: إما إلقاء في الروع (أي القلب) أو إملاء عن طريق الملك أو صلصلة جرس. وقد يتلقى بعض الرسل، مثل موسى، كلامًا من اللّه بغير وحي، ولكن من وراء حجاب (26) ، كما قال تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلا وحيًا أو مِن وراءِ حجابٍ أو يرسل رسولًا فيوحِي بإذنه ما يشاء} (سورة الشورى، الآية 48) . ومهما يكن فإن الرسول محمدًا، عليه الصلاة والسلام، قد تلقى الوحي بلقاء المَلَكِ جبريل يقظة، كما ورد في أحاديث عائشة، رضي الله عنها (27) .

مضمون الوحي

إن للقرآن الكريم في قصص الأنبياء حكمته، فهو يثبت الوحي والرسالة ووحدة الأديان السماوية، ويبين العبرة من دعوة الرسل وموقف الأمم والشعوب منها، مع تحليل الرابطة الوثيقة بين الشرائع والأديان، وإبراز مدى الخير والصلاح الناتجين عن الوحي المعبر عن قدرة اللّه على الخوارق، مع وقوف العبد عند الأسباب (28) .

يقول اللّه عز وجل: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياءً وذكرًا للمتقين} (سورة الأنبياء، الآية 48) . {ولقد آتينا إبراهيم رُشْدَهُ من قبل وكُنَّا به عالمين} (سورة الأنبياء، الآية 51) . {وما جعل عليكم في الدين من حرج مِلَّةَ أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} (سورة الحج، الآية 76) .

الوحي والدين

وفكرة الوحي يرتكز عليها مفهوم الدين، إذ الدين جماع ما يوحي به اللّه إلى رسله: {إن الدين عند اللّه الإسلام} (سورة آل عمران، الآية 19) (29) .

وعند بعض الفلاسفة هو نوع من الإدراك لما يفوت العلم وينقطع دونه العقل (30) .

فتلازم الفلسفة والدين يرمي، كما يقول الشيخ مصطفى عبد الرَّازق (31) ، إلى تحقيق السعادة عن طريق الاعتقاد الحق والعمل الخيِّر. وهو نفس ما أكده الشهرستاني (32) من أن القسم العملي في الفلسفة هو عمل الخير والقسم العلمي هو علم الحق. وقد قال ابن حزم: >الفلسفة على الحقيقة إنما معناها وثمرتها والغرض المقصود بتعلمها ليس هو شيئًا غير إصلاح النفس، بأن تستعمل في دنياها الفضائل وحسن السيرة المؤدية إلى سلامتها في المعاد وحسن سياستها للمنزل والرعية، وهذا نفسه لا غيره هو الغرض في الشريعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت