إن محمدًا هو خاتم النبيئين: {ما كان مُحَمَّدٌ أبا أَحدٍ من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين} ، (سورة الأحزاب، الآية 40) ، ولا يجوز للناس التفضيل بين الأنبياء والرسل {لا نُفرِّق بين أحد من رسله} (سورة البقرة، الآية 284) . والحديث: >لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى< (36) . إن اللَّه وحده هو الذي يفضل بينهم: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كَلَّمَ اللَّه ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البيِّنات وأيدناه بروح القدس} (سورة البقرة، الآية 251) . {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورًا} (سورة الإسراء، الآية 55) . إن بعثة الأنبياء كلها منارة للهدى ومعلمة للفضيلة، وجرت رحمة اللّه أن لا يعاقب أمة قبل أن يبعث إليها رسولًا: {وما كُنَّا معذِّبين حتى نبعثَ رسولًا} (سورة الإسراء، الآية 15) . وما من أمة خلت من الرسل: {ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضًا وجعلناهم أحاديث فبعدًا لقوم لا يؤمنون} (سورة المؤمنون، الآية 44) .
ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أن بعث الرسل من البشر دون الملائكة، وذلك حتى لا يكون للناس حجة إذا ما انحرفوا عن شرع الله ناظرين للملائكة أن طاعة الله تسهل عليهم لفطرتهم النورانية. إن مهمة الرسل ـ إضافة إلى الكشف عن الأمور التي لا يكفي العقل البشري وحده للتفريق بين خيرها وشرها ـ تقتضي البيان العملي بالطاعة، وأن تكون أعمالهم من نوع مايحتمله الناس، فعلى بشريتهم يرتكز التبليغ والهداية والإرشاد، وإنذار الناس بالبعث وحساب الآخرة.
هل ينزل الوحي على غير الأنبياء والرسل؟
إن رؤية المَلَكِ لا تستلزم بالضرورة نبوة أو رسالة، فالنبوة ليست هي مجرد الوحي كما يعتقده الكثير، لحصوله ــ أي الوحي ــ لمن ليس بنبي كريم، بل النبوة عند المحققين هي إيحاء اللّه لرجل بحكم إنشائي (37) . ورد في صحيح الإمام البخاري ما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: >لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثُونَ، فإن يك في أمَّتي أحدٌ فإنه عمر< (38) ، ولا تكون مخاطبة هؤلاء بالوحي عن طريق الملك، وإنما يلقي الله إليهم الحق بوحي الإلهام.
وأما أم موسى فقد أوحي إليها ولم تكن نبية: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنَّا رادُّوه إليك وجاعلوه من المرسلين} (سورة القصص، الآية 6) .
ومن وحي الله سبحانه ما كان موجهًا إلى غير الإنسان، قوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} (سورة النحل، الآية 68) {وأوحى في كل سماء أمرها} (سورة فصلت، الآية 11) ، وذلك يعني العطاء الفطري، فهو بمثابة وحي.
وقد فرق بعض العلماء بين وحي الرسل والأنبياء من ناحية، وإلهام الأولياء، فقالوا: إن وحي الأنبياء يسمَّى كلامًا وإلهام الأولياء يسمى حديثًا. فالكلام يلزم تصديقه ومَن ردَّهُ كَفَر، والحديث من رده لم يكفر (39) .
وقد ثبت بالكتاب والسنة أن من المؤمنين من رأى الملائكة دون أن يكون رسولًا ولا نبيًا، قال تعالى: {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا شرقيا. فاتخذت من دونهم حجابًا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويا. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} (سورة مريم، الآيات 17 - 15) .
وقال القاضي ابن العربي المعافري، في تفسير قوله تعالى {إن الذين قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة} (سورة فصلت، الآية 29) : قال المفسرون عند الموت، وأنا أقول في كل يوم (40) . ويؤيد تصريح ابن العربي ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي، عليه الصلاة والسلام، أنه قال: >إن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى فأرصد اللّه تعالى على مدرجته مَلَكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تَرُبُّهَا؟ قال: لا، غير أني أحببته في اللّه عز وجل. قال: فإني رسول اللَّه إليك بأن اللَّه قد أحبك كما أحببته فيه< (41) ، قال النووي، في شرحه على مسلم: >وفيه أن الآدميين قد يرون الملائكة< (42) .
وحدة الأديان السماوية
يقول الحق تبارك وتعالى: {ورسلًا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلًا لم نقصصهم عليك وكَلَّمَ الله موسى تكليمًا} (سورة النساء، الآية 163) . وذكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في عدة الأنبياء: >مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاث مائة وخمسة عشر، جَمًّا غَفيرًا< (43) . وذلك يحدونا إلى التساؤل عن هوية بعض الشخصيات من الذين يعدهم التاريخ من الحكماء الصالحين، فربما يكون هؤلاء قد عاصروا أنبياء وتعرفوا على ما صدر عنهم من حكم ومواعظ ثم ألفوا حولها الكتب، مثل