الصفحة 16 من 111

على أنك إذا تصفحت بعض كتب كونفوشيوس (القرن السادس ق. م.) تلمس مدونة أخلاقية تتمحور حول فضيلة الإنسانية والعدالة واحترام الشعائر الروحية، مما يؤكد صلتها الوثيقة ببقايا وحي سماوي. وقد صنف >كونفوشيوس< كتابًا بعنوان"المحادثات"وهو عبارة عن مدونة دينية اجتماعية زاخرة بالحكمة والمواعظ والأخلاقيات التي غالبًا ما تكون منقولة عن نبي عاصر ذلك الزمان.

وفي نفس العصر (القرن السادس ق. م. تقريبًا) ظهر Pythagore الفيلسوف بنظريته في خلود الروح والزهد انتجاعًا لتطهير الجسم والروح.

وسقراط (399 ق. م.) وتلميذه أفلاطون (347 - 428 ق. م.) ظهرا بالفكر الجدلي القائم على ضرورة التواكب بين النسق الكوني ووجود الكائن المطلق.

كل تلك الآراء والمفاهيم الهادفة إلى التجرد من الماديات غالبًا ما تكون لها صلة بإلهام علوي ارتقت فيه الروح لتسمو على ماديات الجسد، كما يقول ابن سينا:

هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء دون تمنّع وتنطّع

وكما يروي شيخ الأزهر الأسبق الدكتور مصطفى عبد الرَّازق في كتابه، عن ابن سينا: >أن ابن سينا عكف أربعين يومًا على قراءة بعض المصنفات فانغلق فهمها عليه، فرجع إلى اللّه بيقين كامل وهَبَّ إلى المسجد لصلاة الصبح، فجاء الإلهام الإلهي وانفتحت مغاليق الفهم والإدراك. ويتجلى من مصنفات ابن سينا الفلسفية أن لا وجود لأي تناقض بين معطيات هذه الفلسفة والعقيدة الإسلامية، وهذا التناقض قد يوجد في الظاهر فقط، وهو تخيل يمكن القضاء عليه بالرجوع إلى وحدة الفكر الديني والفلسفي (45) . ذلك أن الفلسفة لا تعدو دراسة وسائل التوفيق بين بني البشر ووحدة الخلق العالمي وتصفية النفس والتعرف إلى عيوبها وطريقة تلافيها< (46) .

وإذا كان"بيتاغور"قد بسط القول في نظرية دوران الأرض حول نفسها، وحركة الأفلاك حول الشمس، فإن ذلك يمكن أن يكون له صلة بالوحي، ولعله استقى مما كان يعلمه رسول الله إدريس، عليه السلام، من حقائق الخَلْقِ، وقد أدى اتساع علم هذا الرسول بالمفاهيم الكونية إلى إلصاق بعض الخوارق في التنجيم بشخصه الكريم، وجَرُؤ البعض على تأليهه، فدعوه إله الشمس التي تكون حسب ادعائهم في السماء الرابعة، حيث رفع اللّه ذلك النبي العظيم.

وجاء القرآن ففند هذا الزعم في قول الله تعالى: {إنا زيَّنَّا السماء الدنيا بزينة الكواكب} (سورة الصافات، الآية 6) بما يؤيد النظرية العلمية الجديدة وهي ما يعرف بالنظام الشمسي القائل بأن الأفلاك كلها، ومنها الشمس، تسبح تحت السماء الدنيا.

ولا نقول إن القرآن كتاب علوم طبيعية، بل هو كتاب رباني يحمل الحكمة والفضيلة، ويتضمن حقائق علمية تدل على أن الكون من خلق اللّه سبحانه وتعالى، وأن آيات الكتاب وحي منزل من عنده وليس من تأليف بشر.

والفكر الإسلامي، الذي يتسم بشمولية عالمية، قد رجع إليه الكثيرون ممن حَلَّلُوا معطياته بموضوعية من فلاسفة العصور الوسطى، فالفيلسوف المسيحي توما الإكويني Thomas d ص Aquin (1225 م-1274م) يتقارب فكره مع آراء ابن رشد الواردة في كتابه"فصل المقال فيما بين الحقيقة والشريعة من الاتصال". والكنيسة نفسها أقرت الشمائل والسمات الإسلامية في وثيقة أصدرتها في الستينيات من القرن العشرين، بعنوان"توجيهات"Orientations أكدت فيها أن الإسلام ليس دين الترهيب واللاتسامح، بل هو دين المحبة والإخاء، وفندت الفكر الخاطئ الذي نشره المسيحيون واليهود عن الإسلام مدعين خلوه من فضيلة الخُلُقِ، واستكانته إلى القضاء والقدر والتعصب الديني. فالجهاد في العربية، كما يقول الفاتكان في هذه الوثيقة: >ليس سوى جهاد أي دعوة في سبيل اللّه من أجل نشر الإسلام والدفاع عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت