الصفحة 19 من 111

تمهيد

القول في العقيدة أمر لا يخلو من مخاطر ومزالق، لأن أصولها وفصولها إلهية والنظر فيها إنساني.

ويكون النظر أكثر عرضة للزلل حينما ينظر الناظر في عقيدة غير عقيدته، لأنه لا يعرف أين يقف بعقله ولا أين يضع حدًا لإيمانه، أين يحكم قواعد المنطق وأين يستسلم لنوازع الذات. وهو هنا لا يأمن على نفسه من الزلل ولا على قلمه من الزيغ.

وللتوقي من هذا المنحى انطلقنا في بحثنا هذا من مبدإ أن الرسالات السماوية كلها حق في أساسها ما بقيت مجردة من فعل الإنسان، والإيمان بها جزء أساسي في عقيدتنا، وأن الذي يدخل في حيز النظر هو ما دخل عليها من فعل الإنسان سواء بتعمد التحريف أو بغير تعمده.

ومن هنا فإن نظرنا في العقيدة اليهودية لا يروم المس بأي حيز من أحيازها أو مبدإ من مبادئها، فهي لنا دين سماوي حق نزلت كلماته على سيدنا موسى، عليه السلام، دينًا قيمًا ليقوّم مسلك الإنسان في فترة من فترات التاريخ.

لذلك اخترنا منهجًا قوامه ألا نناقش العقيدة بالعقيدة، ولا الكتاب بالكتاب، ولا أن نستعمل ثقافتنا العربية ولا موروثنا الحضاري الإسلامي ليبقى الإيمان في القلب ويكون ما للنظر للنظر. وقد رجعنا في هذا البحث إلى مصادر غير إسلامية، ولم نذكر من مصادرنا الإسلامية إلا مصدرين، أحدهما كتاب الفصل بين الملل والأهواء والنحل لابن حزم، وقد أوردناه لأنه كان الرائد في علم مقارنة الأديان، وكان مؤلفه أستاذًا غير مباشر للمدارس النقدية اللاهوتية فيما بعد، ولو لم نذكره لتركنا فتقًا في بناء منهجنا الذي أردنا له أن لا يحيد عن الحق. والمصدر الثاني هو الفهرست لابن النديم، ذلك أن هذا المصدر كان مجمعًا لعلوم أهل العقائد، ولأن صاحبه كان يجمع ولا يصنع. وما عدا هذين المرجعين لم نختر إلا ما كان أشد وثوقًا وأدخل في المجالات الأكاديمية لأعلام من غير ملة أهل الإسلام، منهم أناس لا نعرف نحلهم ومنهم يهود ومسيحيون من أرباب علم اللاهوت والتاريخ والحضارة وعلم الحفريات، والقائمين على خفايا اللغات وأسرار الحرف. وجل هؤلاء قد أطال النظر في مدونة العهد العتيق، وما إليها من علوم التوراة، بتأمل مجرد وبحث دقيق. من مَعين هؤلاء استقينا ومن جهودهم أقمنا أُسَّ هذا البحث، فهو منهم وعلى نِحَلهم.

ولم نرد نحن أن نتخذ لنا وسيطًا للنظر في نص العهد العتيق وإنما وقفنا مباشرة على كل كلمة من كلماته في لسانها وفي أصولها وفروعها، وقلبنا فيها النظر، لأن كثيرًا من المزالق في هذا الباب تأتي من اعتماد وسيط غير مدقق أو نظر سطحي وسريع.

ومع ذلك فلا نزعم أو ندعي أننا بلغنا النهاية أو استوفينا ما يجب أن يستوفى، فهذا موضوع لا يسلم من مخاطره إلا العوام الذين لا يلمسون منه إلا ظاهره، أو لِنَقُل لا يسلم منه سوى من لم يقل فيه قولًا البتة.

الفصل الأول

معالم حول البلاغ الأصلي وتوثيقه

نبذة مختصرة عن موسى وهارون من خلال مدونة العهد العتيق

اليهودية من الأديان السماوية الموحدة التي وصلتنا آثارها في كتاب، ولم تسم الديانة بهذا الاسم إلا بعد انقسام مُلْكِ بني إسرائيل إلى مملكة إسرائيل ومملكة يهودا (يهوذا) بعد موت سليمان، ومن النسبة إلى الأخيرة كانت"اليهودية"على أشهر الأقوال. وقد نزلت اليهودية في العبريين، فمن هم هؤلاء العبريون؟

جاء أصل اسم العبريين في مدونة التوراة (1) (سفر التكوين 10: 21، 24) وكان علمًا على الابن الرابع من سلالة سام بن نوح، إذ كان لنوح ثلاثة أبناء، هم: سام وحام ويافث. ولد سام أرفكشاد وولد أرفكشاد شالح وولد شالح عابر. وعليه فلم يكن للفظ"عابر"ـ الذي ينتسب إليه العبريون ـ في هذا السياق، أي دلالة تخص شعبًا بعينه، وإنما كان يطلق على كل نسل"سام". ولم يصبح لهذا اللفظ خصوصيته إلا مع إبراهيم، وهو في الرتبة السادسة من نسل عابر.

بعد أن غادر إبراهيم مدينة"أور"الكلدانيين (2) استقر بحاران التي بين دجلة والفرات، قبل أن يسير في رحلة طويلة قطعت أرض فلسطين واجتازتها إلى أرض مصر (تكوين 11: 31) فالجزيرة العربية (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت