الصفحة 20 من 111

وفي حاران كان وعد الله لإبراهيم بأن يخص نسله بأرض كنعان، ومن هنا ارتبط اللفظ"عبري"بنسل إسحق بن إبراهيم دون غيرهم، وصار له نسل مبارك، فمن ابنه اسحق وُلِدَ يعقوب، ورزق يعقوب من زوجاته بـ: رأوبين وشمعون ولاوي ويهوذا ويساكر وزبولون وجادا وأشير ويوسف وبنيامين ودانا ونفتالي (4) . وهؤلاء هم أسباط (5) بني إسرائيل الإثني عشر.

لقد أرَّخَتِ التوراة في سفر التكوين ـ من الإصحاح الثامن والثلاثين إلى آخر الإصحاح الخمسين وهو آخر إصحاح في السفر ـ لهؤلاء الأسباط ومواليدهم وتنقلاتهم، واستقرارهم بأرض مصر إلي موت يوسف. ولم تذكر موسى إلا في السفر الثاني، أي سفر الخروج. ولم يرد لموسى في مدونة التوراة نسب متواتر بسند متصل يرجعه إلى آدم أو إبراهيم أو إلى أي جَدٍّ أعلى، كما فعلت مع الأسباط، وإنما جاء ذكره في التوراة لأول مرة هكذا:"وذهب رجل من بيت لاوي وأخذ بنت لاوي. فحبلت المرأة وولدت ابنًا" (خروج 2: 2 - 1) .

موسى

تقدَّرُ الفترة الفاصلة بين يوسف و موسى بحوالي أربع مائة سنة. ويُذَكِّرُ سفر الخروج، أي السفر الثاني من مدونة التوراة، بأبناء يعقوب الوافدين على مصر، وبتكاثرهم واكتظاظ الأرض بهم، ثم يقول:"ثم قام ملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف. فقال لشعبه: هو ذا بنو إسرائيل شعب أكثر وأعظم منا" (خروج 1: 9 - 8) .

تلخص هذه الجملة أهم الأحداث التي مرت خلال الزمن الطويل المشار إليه. لقد كان ليوسف من السلطان في ظل الهكسوس ما مَكَّنَهُ ومَكَّنَ آله، وازدادوا غنى وعددًا إلى أن سقط حكم الهكسوس. ولم ينس المصريون لبني إسرائيل ـ وربما لغيرهم من الطارئين ـ مؤازرتهم للحكام الهكسوس، بل خافوا إذا تركوهم على حالهم أن يعيدوا الكَرَّةَ بالتحالف مع أية قوة أخرى صاعدة. لذلك تقول التوراة إن الملك الجديد قال لشعبه:"هلم نحتال عليهم لئلا ينموا فيكون إذا حدث حرب أنهم ينضمون إلى أعدائنا ويحاربوننا ويصعدون من الأرض" (خروج 1: 10) .

إنها إشارة واضحة إلى تحالف العبريين والهكسوس. ثم يبدأ عهد جديد يأمر فيه فرعون باستعباد بني إسرائيل وتسخيرهم في بناء مدينتي بيتوم ورعمسيس، ويأمر كذلك بقتل كل مولود عبري ذَكَرٍ. وفي هذه الفترة أيضا تلقي أُمُّ صَبِيٍّ عبراني ابنها في اليَم.

وتتحدث التوراة عن المولود الذي لم تذكر اسم أبيه:"وذهب رجل من بيت لاوي وأخذ بنت لاوي. فحبلت المرأة وولدت ابنًا" (خروج 2: 2 - 1) ولم تسمه أمه، بل ابنة الفرعون هي التي سَمَّتْهُ موسى. ويرضع موسى حليبًا عبريًا، ويكبر في قصر فرعون، ويتربى فيه، ومع ذلك لم ينس بني جلدته، وقتل من أجلهم مصريًا، وفَرَّ إلى مَدْيَن، حيث تزوج بابنة كاهنها، وظل عنده يرعى الغنم إلى أن تجلى له الرب في جبل حوريب، وأمره بالعودة إلى مصر لتحرير بني إسرائيل، وأيده بالمعجزات، حتى يقنع فرعون عندما يخاطبه. غير أن هذا الأخير يَصُمُّ آذانه ولا يطلق سراح بني إسرائيل، فتتوالى عليه وعلى المصريين بلايا عشر، يفر بنو إسرائيل في آخرتها، ويلحقهم فرعون لأنه ندم على إطلاق سراحهم، فيعبر موسى وأتباعه اليم ويغرق فرعون. ثم يتيهون في الصحراء أربعين سنة، عانوا فيها قلة القوت فأطعمهم الرب مَنًّا وسلوى، واشتد بهم الظمأ، ففجر لهم العيون، ولاقوا أشد الأمم بأسًا فغلبوهم. ثم اضطرب أمرهم فتفشت فيهم الأمراض، وابتلوا بالعصيان، فأخضعهم موسى أحيانًا، وأحيانًا ثاروا عليه. ونظمهم وخَطَّ لهم الخطط، وَعَلَّمَهُمْ سبل النظافة والوقاية، وسلك بهم مسالك الحذر واليقظة، وأحصاهم أولًا ليوزع عليهم الأرض، ثم أحصاهم ثانية ليمتحن قوتهم حتى يعرف مدى استعدادهم للحرب والصبر عليها.

كان موسى يقوم بكل ذلك هداية لقومه، وفي نفس الوقت كان يعاني من شكواهم وتمردهم وإبدائهم المِنَّةَ عليه بأن خرجوا معه وتركوا أرضًا، أصبحت في أعينهم بعد تركها جنة، في حين أن حياتهم كانت فيها جحيمًا. ولم يواسه في كل هذا إلا التجلي، وكان هذا التجلي مصدر الشريعة والأحكام. ومع كل نازلة من نوازل التيه الذي دام أربعين سنة، كان موسى يسمع الخطاب من الرب، وينظم مناسك العبادة وطقوسها.

كان موسى دقيقًا في كل شيء، في توزيع الغنائم والأرض والمدن والجيوش، وكان بعيد النظر فيما يمكن أن يأتي به الزمان، وكان بارعًا في رسم خطط الهجوم والدفاع، بل والفرار أيضًا. وكان، مع هذا وذاك، حاد المزاج تأتيه فورات غضبية شديدة، ألم يقتل مصريا وكاد يفعل نفس الأمر ثانية؟ ألم يصارع السقاة عند بئر مدين؟ ألم يكسر الألواح عندما وجد بني إسرايل قد عبدوا العجل؟ ألم يُعَنِّفْ أخاه، بل أمر بقتل كل المرتدين في ذلك اليوم؟ ولعل خطبه الثلاث في آخر أيامه كانت خلاصة الفورة من أجل إنهاء التيه (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت