الصفحة 21 من 111

هذه هي الخيوط التي نسجت بها التوراة حياة موسى، وأضفى عليها مدونوها كثيرًا من الخيال وكثيرًا من الموروث الشعبي، كما فعلوا بإبراهيم ويوسف وكل الآباء والأحداث التي أَرَّخُوا لها. ولهذا بحث الدارسون لعلهم يجدون لشخصية موسى شبيهًا في الآداب البابلية الأقدم، فوجدوا ذلك في ألواح سومارية كان بطلها سرجون الأكادي، وفي قصة رملس emulus) ورموس ( Remus) (7( )

ولتشابه هذه الشخصيات مع شخص موسى، عَدَّ البعض ذلك النبي العظيم في ضروب الخيال.

وينطلق فرويد من قريب من هذا التصور في كتابه"موسى والتوحيد"، ليؤسس كل نظريته التي تقول بأن موسى كان مصري المحتد والأصول، وأن الديانة التي دعا إليها هي ديانة مصرية محض، كان يحميها الفرعون أمنحوتب الرابع الذي غير اسمه فصار أخناتون. وبعد موت هذا الأخير، سنة 1350 ق. م، أعاد كهنة مصر الأمر إلى نصابه، ونقموا من كل شيء خلفته السلالة الثامنة عشرة. وكان من خلصاء أخناتون رجل اسمه توتموس (توت + موسى) وكان يشغل منصبا كبيرا، ففر بدينه مع جماعة، شرع لهم شريعتهم بعد أن غير فيها وأزال منها آثار عبادة الشمس. وخرج هذا الرجل وأتباعه من مصر، فاشتد في تربيتهم وإخضاعهم للشريعة، فثاروا عليه وقتلوه، وتخلوا عن عبادة آتون، كما فعل المصريون سابقا. وبعد ذلك اختلطوا بقبائل كانت تقيم بين فلسطين وشبه جزيرة سيناء والجزيرة العربية، وهم قبائل مَدْيَن، فأخذوا عنهم دينهم وإلههم"يهوه""إله البراكين"، وطوروا فكرة يهوه خلال سنين، حيث ندمت الأجيال اللاحقة على ما فعله أجدادهم بموسى، وصادف أن ظهر رجل مصلح آخر اسمه موسى فتبعوه. وهكذا فعل الزمان من المُوسَوَيْنِ موسىً واحدًا. هكذا كان تصور فرويد لموسى (8) .

ولنعد نحن إلى اسم"موسى"وهو الاسم الذي سمته به ابنة الفرعون، ولم تسمه إلا بعد أن أرجعته أمه إليها، وقد صار طفلًا يافعًا. ومن الأكيد أن نطق الاسم:"مُشِهْ"لم يكن بالصيغة التي جاء بها في التقليد اليهودي، لأن الصنعة ظاهرة في هذه الصيغة. بل هي صيغة غير سليمة حتى من وجهة اللغة العبرية. لأن صيغة"مُشِهْ"هي صيغة اسم الفاعل لا اسم المفعول، مع أن موسى كان مُنْقَذًا مُنْتَشَلًا أي"نمشه"لا مُنْتَشِلًا (9) "ودعت اسمه موسى وقالت إني انتشلته من الماء" (خروج 2: 10) وعليه فإن الاسم في مصريته جاء من مُسْ"موسو"، ويعني الابن، كما هو الحال في أسماء تحتمس ورمسيس وأموسيس (10) .

وتسمية موسى بـ"مُشِهْ"أي مُنْتَشِلْ قد تكون دالة على أنه مُنْقِذُ الإسرائيليين أي هو الذي انتشلهم من فرعون، فإذا كان الأمر كذلك فيكون من أعاره هذه التسمية إنما فعل ذلك بعد اطلاعه على قصته كاملة، منذ ميلاده وحتى إنقاذه بني إسرائيل. فيكون المدوِّن اختار اسمًا مقاربًا في النطق لكلمة موسى، وفي نفس الوقت يعبر عن شخصية موسى النبي الرشيد الذي انتشل أي أنقذ بني إسرائيل من فرعون. ولو كانت العبرية هي لغة أتباع موسى في عصره، لوجد لموسى اسم في تلك اللغة يطابق كلمة"موسى"في النطق أو في المعنى، إلى جانب الاسم الذي يشير إلى أنه منتَشِلٌ لبني إسرائيل، والذي لم يكن ليتسمى به إلا بعد انتصاره على فرعون، أو على أقل تقدير بعد ظهور نبوته.

إنه من الطبيعي أن يُسَمَّى موسى باسم مصري لأنه نشأ وتربى في بلاط فرعون، ولكن الذي يثير الانتباه هو عبرنة الاسم بطريقة غير سليمة صرفًا ولغة، كما ذكرنا، وبالتالي فإن شخصية موسى الحقيقية أحيطت بضباب (11) ، بما أضيف إليها من موروث قديم فيه الكثير من النسيج الروائي الذي يضخم الأحداث بالخيال الخصب اعتزازًا بأصول ذات ماض مجيد.

وإذا كان يوسف قد عاش حوالي 1730 ق. م، واستمر بنو إسرائيل من بعده في مصر مدة مقدارها حوالي 430 سنة حتى الخروج، وكانت مدونة التوراة تحدد سن موسى عندما توجه إلى فرعون بثمانين سنة، فإن مولده يكون حوالي 1370 ق. م وهي الفترة المعاصرة لأخناتون"أمنوفس" (1375ـ1354 ق. م) ويكون الخروج حوالي سنة 1290 ق. م وتكون سنة 1720 ق. م بالتقريب هي تاريخ قدوم يعقوب إلى مصر.

إن فترة بلغ مجموعها 430 سنة، مدة إقامة بني إسرائيل في مصر، إذا ما أنقصنا منها ثمانين سنة عاشها موسى قبل سنة الخروج، لَتَدُلُّ على أن فرعون السخرة كان رمسيس الثاني الذي حكم من 1301 إلى 1234 ق. م (12) ، ويكون ذلك الفرعون نفسه هو فرعون الخروج.

وشكك بعض الباحثين في واقعة الخروج هذه أصلًا (13) . واعتبروا مرنبتاح ابن رمسيس الثاني هو فرعون الصراع فيما بعد مع بني إسرائيل. ذلك أن مرنبتاح هذا سجل انتصاره عليهم في نصب مؤرخ بـ 1230 ق. م، وذكر في هذا النصب أنه قضى على إسرائيل نهائيًا. ولكن من غير الواضح هنا ما المقصود بإسرائيل، هل هم الشعب أم الأرض (14) ؟ والفصل بين الأمرين ضروري جدًا في هذا المقام، فإذا كانوا هم الشعب، فيكون المقصود أولئك الذين خرجوا مع موسى، وهذا لا يتفق مع ترتيب الأحداث كما رأينا. وإذا كان المقصود بإسرائيل الأرض، فتكون هي أرض فلسطين، بعد أن دخلها بنو إسرائيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت