فهرس الكتاب
ونحن نميل إلى ترجيح الفرضية الثانية، ذلك أن الخروج كان، كما سبق أن قلنا، سنة 1290 ق. م أيام رمسيس الثاني، في حين أن النصب مؤرخ بـ 1230 ق. م، ثم إن النصب يتحدث عن القضاء المبرم الذي كان ضحيته بنو إسرائيل، مع أن حدث المعجزة تمثل في القضاء على جيش فرعون لا على أتباع موسى. بل القصة كما ترويها مدونة التوراة تدل على أن الحدث كان في مصر، فبعد أن خاطب موسى وهارونُ فرعونَ لكي يطلق بني إسرائيل، كان جواب الفرعون:"لماذا يا موسى وهارون تعطلان الشعب عن أعماله؟ اذهبا إلى أثقالكما. وقال فرعون: هُوَ ذا الآن شعب الأرض كثير وأنتما تريحانهم من أثقالهم"! (خروج 5: 5 - 4) .
ولعل إلحاح موسى وهارون هو الذي أحدث مراقبة شديدة بين الحدود المصرية وشبه جزيرة سيناء، فما كان يُسْمَحُ لأي من كان بالخروج إلا بعد الحصول على وثيقة من السلطات المركزية (15) . وهذا ما يفسر أيضًا نزول بني إسرائيل إلى الجنوب بدلًا من أن يصعدوا إلى الشمال، أي إلى فلسطين التي كانت على مَدِّ البصر.
ومما يثير الانتباه أيضا أنه لم يرد في أي سجل من سجلات المصريين إشارة إلى الخروج، مع أن الفراعنة كانوا يسجلون الوقائع والأحداث. وتفسير سكوت هذه الوثائق بسيط، إذ لم يعتد الفراعنة تسجيل هزائمهم بل كانوا يحذفون من تواريخهم ما لا يلائمهم، كحذفهم أسماء معارضيهم السياسيين، ومن اعتبروهم خارجين عن الدولة (16) .
وبناء على هذه الوقائع، فإننا نعتقد أن ما جاء في نصب مرنبتاح (أو منوبتاح) كان بعد دخول بني إسرائيل إلى فلسطين، وأن الفرعون الجديد مرنبتاح هذا عزم على إخضاع فلسطين التي أرادت الخروج عن طاعته، وعلى الانتقام ممن كان سببا في هلاك أبيه وجيشه (17) . وذلك لا يكون إلا بعد سنين، أي بعد أن أعاد مرنبتاح بناء الجيش من جديد، أي بعد عشرين عامًا من دخول الفارين إلى فلسطين، وبعد أن بدأ الوهن يدب في الجيش الذي أَعَدَّهُ موسى في الصحراء خلال التيه.
ومما يؤكد ما ذهبنا إليه، أنه حدث في هذه الفترة تخريب مدن عديدة في فلسطين. ولا شك أن هذا الخراب كان نتيجة للصدام الذي وقع بين الفرعون مرنبتاح وأهل فلسطين عمومًا، عندما أرادوا استقلال بلدهم والتخلص من استبداد حكام فلسطين من الأجانب (18) ، وقد يكون هذا الحدث بعد موت يوشع الذي قاد بني إسرائيل. ويشير مُدَوِّنُ سفر القضاة إلى هذا الحدث، ويرد أسبابه إلى عدم احترام بني إسرائيل لعهدهم الذي عاهدوا"يهوه"عليه.
إذًا، فخروج موسى ببني إسرائيل كان في الفترة التي أشرنا إليها، أو على أقل تقدير في زمن قريب منها، وكانت مجريات الأحداث برفقة ومساعدة هارون.
هارون
ولد هارون قبل ثلاث سنوات من ميلاد موسى، وكان ذلك قبل صدور الأمر بقتل كل ذَكَرٍ من أبناء العبريين. وعندما غادر موسى مصر إلى مَدْيَن ترك أخاه هارون مقيمًا بها، ولا ندري هل كان هناك اتصال بينهما خلال الأربعين سنة التي قضاها موسى في مدين أم لا؟.
ولم يُذْكَرْ هارون في التوراة إلا عند محاولة موسى الاعتذار عن الرسالة متعللًا بِعَيِّهِ اللساني، فعندها قال له يهوه:"أليس هارون اللاوي أخاك! أنا أعلم أنه هو يتكلم، وأيضًا هاهو خارج لاستقبالك، فحينما يراك يفرح فتكلمه وتلقن فمه الكلمات. وأنا أكون معكما وأعلمكما ماذا تصنعان" (خروج 4: 15 - 14) .
وتحكي التوراة أن يهوه خاطب هارون في أمر القيام بالرسالة عونًا لأخيه:"وقال الرب لهارون: اذهب إلى البرية لاستقبال موسى" (خروج 4: 27) ثم جعله الرب رسولًا لفرعون"فقال الرب لموسى: أنا جعلتك كإله لفرعون، وهارون أخوك يكون كَنَبِيٍّ لك" (خروج 7: 1) .
وبعدها أصبح هارون لسان موسى لقومه وإلى فرعون، وعلى يده جرت معجزات موسى، وعلى يده حَلَّت بفرعون وقومه ثلاث بلايا من عشر. وتلقى الكلمات مع موسى، وخاطب معه الرب في خيمة الاجتماع، وقاد معه بني إسرائيل في التيه، وقام بقسط كبير في تنظيمهم، ولامه موسى وعَنَّفَهُ لعدم استطاعته منع القوم من صناعة العجل وعبادته. وبعد أن انصلحت الأمور أصبح هارون أول رئيس لكهنة بني إسرائيل، وصارت الكهنوتية في نسله دون غيره، ونظم طقوس الهيكل تنظيمًا محكمًا، ولم يَنْسَ في ذلك شاذة ولا فاذة. ثم مات وهو على بعد خطوات من أرض كنعان، لأنه مكتوب أن كل جيل الخروج لا يدخل هذه الأرض.