فهرس الكتاب
اكتشفت في فينيقيا وسوريا، وهي وثائق أكثر عددًا من تلك التي وجدت في فلسطين، كانت تمثل نموذجًا من لغة قديمة تطورت مع الزمان لتُكَوِّنَ بعد قرون اللغة العبرية. وبفضل هذه الاكتشافات زال كثير من الغموض عن معجم ونحو وأسلوب مدونة العهد العتيق بلغتها التي وصلتنا، بل زالت الظلال الضبابية التي غلفت الشخصيات والأحداث والوقائع والحضارات التي تأثر بها مدونو العهد العتيق، وهم غافلون عن ترتيب العهود التاريخية والمواقع الجغرافية (23) .
ويجمع اللغويون على أن اللغة الكنعانية هي أقرب اللغات إلى لغة التوراة الأصلية، وأيدوا ذلك بالكتابات التي عثر عليها في تل العمارنة بمصر العليا، وهي رسائل خطت بالحروف البابلية، ويعود تاريخها إلى حوالي 1400 ق. م وكانت عبارة عن مراسلات دبلوماسية كتبت على يد كتبة من بلاد كنعان إلى السلطات المصرية. وكان هؤلاء يستعملون كلمات وصياغات من لغتهم الأصلية التي هي قريبة جدًا من أقدم الآثار التي عثر عليها، وأعني نقش سلوان بالقدس (700 ق. م) ونقش ميشع ملك مآب (حوالي 850 ق. م) (24) .
وهذه اللغة القديمة في شكلها وفي حروفها، كانت هي لغة"يهوديت"الوارد ذكرها في التوراة"ونادى بصوت عظيم باليهودي" (سفر الملوك الثاني 18: 28) (25) . ولم تكن تلك اللغة القديمة متمثلة في قالب واحد، بل كانت لهجات غير موحدة (26) . أما اللغة التي خطت بها مدونة التوراة الموجودة بين أيدينا، فهي العبرية الحديثة التي لم تنضج إلا بعد زمن طويل من عهد موسى، وذلك إذا ما اعتبرنا أن ما بين القرن العاشر وسقوط مملكة يهوذا (586 ق. م) هو عهد طفرة اللغة العبرية وتطورها.
وبهذه اللغة العبرية الحديثة حُرِّرَت مدونة العهد القديم الموجودة بين أيدينا اليوم. ولهذا الفارق الزمني والفوارق في اللهجات، صَعُبَ على المختصين كتابة تاريخ دقيق للغة العبرية، يُمَكِّنُ من الرجوع إلى فترة توحيدها، وإلى تحديد منضبط للغة النصوص التوراتية الأصيلة.
ومما يزيد الأمر تعقيدًا وغرابة أن اللغة العبرية الحديثة مرَّت بمرحلتين، فبعد أن تشكَّلت معالمها هجرها لسان اليهود إلى اللغة الآرامية، ثم عادت مرة أخرى لتتبلور في شكلها الجديد المعروف في عصرنا. وهذا ما يفسر وجود نصوص من العهد العتيق مكتوبة بالآرامية، وهذه أيضًا ليست من الأصول الأولى التي كتبها أو أملاها موسى، عليه الصلاة والسلام. وذلك يفسر أيضًا وجود الترگوم أو الترجمة الآرامية، وهو ما يفسر كذلك تأليف العمل الضخم المعروف بالتلمود، كما سنرى.
وكل ذلك يوضح أن التدوين الأول للتوراة ـ كما تلقاها الناس مباشرة عن لسان موسى ـ غائب. وتكمن أهمية الحفاظ على المدونات الأولى للكتب السماوية في أمرين: الأمر الأول: أنها ملك للإنسانية لأنها تمثل حقبة هامة من تاريخها. والأمر الثاني: أنها وثائق حاكمة، تفصل فيما هو بين أيدينا من مكتوبات لنعرف ما زاد وما نقص وما انحرف عن الأصل، ونستجلي مضمون ما حمله لنا التاريخ من خطاب سماوي في وضوح وشفافية.
الفصل الثاني
ما بأيدي الإنسانية المعاصرة من وثائق تحدد معالم الرسالة
العهد العتيق كما هو عليه اليوم
خلصنا مما سبق إلى أن التوراة كانت رسالة سماوية بحق، وقد تمثلت تلك الرسالة في الوصايا والعهد، وأنها كانت مكتوبة بحرف غير الحرف المعروف الآن، ولغة مختلفة جذريًا عن اللغة العبرية الحديثة. وسبق