الصفحة 25 من 111

أيضًا أن استشهدنا على كثير من الأحداث بمدونة العهد القديم كما نطلع عليها اليوم في غير لغتها الأصلية. فهل يعد عملنا هذا تناقضًا، أي أننا نحتاط من مدونة التوراة التي بين أيدينا اليوم، وفي نفس الوقت نستشهد بما ورد فيها؟

لا نعتقد ذلك، لأننا عندما نثبت أن التوراة كانت مكتوبة بكتابة مختلفة وبلغة مختلفة، فهذا لا يعني أن كل ما ورد بمدونة العهد العتيق هو محض خيال لا علاقة له بوقائع التاريخ وبالأزمنة والعهود التي توالت فيها أحداث العبريين وظهرت فيها الديانة اليهودية. بل إن مدونة العهد العتيق تمثل محاولة إعادة تدوين تاريخ بني إسرائيل اعتمادًا على آثار وموروث ثقافي، منه ما هو شفاهي ومنه ما هو مدون. ولكن المؤكد أن المدونة الأصلية للتوراة لم تكن بين أيدي مدوني العهد العتيق الذي تعرفه الإنسانية المعاصرة. لذلك لا غرابة في أن مضمونه قد انحرف بكثير من الأحداث التاريخية عن سياقها الحقيقي، وقد ساهم أيضًا في انحراف المدونة عن مضمون البلاغ الأصلي ذلك الخيال الخصب وتلك الرغبة في تعظيم الذات الإسرائيلية وتأكيد سموها.

إن الكَتَبَةَ والمدونين وضعوا في العهد العتيق خلاصة معرفتهم بالأزمنة السالفة، فقَلَّصُوا من التدوين مواطن ومسافات تداخلت فيها الحضارات والتواريخ والأزمنة. لقد قصد المدونون جمع وتوثيق الوقائع، ولكنهم لم يعيروا الترتيب الزمني والظروف التي أحاطت بالأحداث اهتمامًا كافيًا. وكل نقاد العهد العتيق يتفقون على هذا، وتجمع عليه المراجع التي اعتمدناها في هذه الدراسة.

إن العهد العتيق اليوم في لغته العبرية، 24 سفرًا في التقليد اليهودي و22 سفرًا في التقليد المسيحي. ومن الأحبار من يعتقد أن العهد العتيق كله وحي من الرب (27) ، والبعض منهم يرى أن القسم الأول فقط هو معاني الوحي الذي سمعه موسى صوتًا من السماء، واعتبروا القسمين اللاحقين وحيًا عن طريق التوارد. وَقَدَّرَ التقليد اليهودي أزمنة متعددة، فالتوراة (الأخماس) ـ حسب رأيهم ـ كتبت في القرن 15 ق. م. والقسم الثاني، أي الأنبياء الأولون: كتب ما بين القرن 14 والقرن 6 ق. م. والأنبياء الثواني: كتب ما بين القرن 9 والقرن 5 ق. م.

وقدروا للمكتوبات، أي القسم الثالث أزمانًا مختلفة، فالمزامير التي نسبوها إلى داوود تعود إلى القرن 11 ق. م. والأمثال والجامعة ونشيد الأناشيد التي نسبوها إلى سليمان، تعود إلى القرن 10 ق. م. وسفر إيخا وإرمياء يعود إلى القرن 6 ق. م. وسفر دانيال يعود إلى القرن 5 ق. م. ونسبوا قصص أيوب وروث وإستير على التوالي إلى موسى، وكتبت في القرن 15 ق. م. وشموئل يعود إلى القرن 11 ق. م. وكهنة الكنيس الأعظم (وهو لمدون أدخله في العهد العتيق) يعود إلى القرن 4 ق. م. ونحميا وعزرا والأخبار الأول والثواني، التي نسبوها إلى عزرا، يعود إلى القرن 4 ق. م (28) .

ومعلوم أن هذه التواريخ تختلف اختلافًا كبيرًا عن النتائج السابقة التي أشرنا إليها فيما يتعلق بحياة موسى وهارون، والتي توصلت إليها اكتشافات علوم الحفريات والأبحاث التاريخية بالنسبة لأصول العهد القديم.

ويُنسب جمع العهد العتيق تقليدًا إلى عزرا (القرن 5 ق. م) ويعتقد سبينوزا أن عزرا هذا لم يكن أوَّل من صاغ نص العهد العتيق، وأن ما قام به لا يعدو أن يكون جمعًا لروايات متعددة كانت محررة قبله، وكان ينسخها أحيانًا ويثبتها دون فحص أو ترتيب (29) . غير أن وجود سفر دانيال ضمن العهد العتيق ينفي أن يكون عزرا هو الذي دون النص كله، لأن سفر دانيال دُوِّنَ تقريبًا عام 166 ق. م، أي بعد حوالي ثلاثة قرون من جمع عزرا.

ما هي الظروف التي أحاطت بتدوين العهد العتيق والمناهج التي اتبعت في تدوينه؟

من الأكيد أن أقدم مدونة نمتلكها للعهد العتيق، والتي تمثل النص المتفق عليه لدى علماء اليهود، قد دونت بالحرف العبري الأول الذي نشأ قبل أن تحل الآرامية محل اللغة العبرية القديمة، ثم كتب فيما بعد بالحرف المربع الذي ورثه اليهود عن الآرامية أيام النفي البابلي. وجرت العادة منذ الهيكل الثاني بمقابلة النسخ (الأخماس التوراة) التي كانت شائعة في مدينة"يهوذا"سنويًا بالنسخة النموذج التي كانت مودعة في الهيكل والتي اعتمدت ثلاث نسخ متقاربة جدًا. وواضح أن بعض النصوص كانت قد عُدِّلَتْ أيام الهيكل الثاني، خصوصا الفقرات التي ورد فيها تجسيم الذات العليا. وسُمِّيَ هذا التعديل"تقويم الكتبة"ونسب إلى عزرا وسلسلة من الأحبار من بعده. وقد ترجع الاختلافات الموجودة بين النص التقليدي (الماسوري) من جهة، والترجمة الإغريقية ومخطوطات قمران وتوراة السامريين من جهة أخرى، إلى تقويم أشخاص غير معروفين.

ولم يكن النص الأصلي المشار إليه مشكولًا حتى القرن السادس الميلادي، بل كانوا يستعملون حروف العلة علامات، فالألف علامة للفتح، والواو للضم، والياء للكسر. وفي أواخر القرن السابع وأوائل القرن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت