فهرس الكتاب
الحركة أنها جعلت النص المقدس شأنه شأن أي نص، يمكن نقده والنظر فيه، على اعتبار أنه كتاب قام بتدوينه أناس كثيرون على مدى القرون. وإن كان مضمونه ينسب إجمالًا إلى رسول الله موسى، عليه الصلاة والسلام، إلا أنه يتضمن عناصر تاريخية ولغوية سبقت بكثير الفترة التي اعتُقِدَ أنها تنتسب إليها، وأخرى تأخرت عنها بكثير.
ونتيجة لذلك، اشتعل جدل بين المذاهب المسيحية، وظهرت العديد من الكتابات النقدية واللاهوتية التي جمعت بين الفلسفة والتأمل من جهة، والجدل والنزاعات من جهة أخرى. ويكفي الرجوع إلى المؤلفات التي كتبت في هذه الفترة للدلالة على ذلك (66) .
في هذا الجو من النظر والجدل اللاهوتي ظهر كتاب بعنوان: فرضيات حول المدونات الأصلية التي يظهر أن موسى كان قد استعملها لوضع سفر التكوين، مع ملاحظات تؤيد أو توضح هذه الفرضيات، لـ J. Astruc. وكان ظهوره حدثا في تاريخ نقد الكتاب المقدس، فقد اتسم بجرأة كبيرة تعمقت إلى حدٍّ بعيد في الفرضيات، الأمر الذي أدى بمؤلفه إلى تجنب إصداره باسمه، كما انتحل اسم دار للطبع في بلجيكا، مع أنه طبع في باريس (67) .
انطلقت نظرية J. Astruc من ملاحظة بسيطة، ذلك أنه لاحظ وهو يقرأ سفر التكوين وسفر الخروج، أن اسم"الله"كان يأتي أحيانا بلفظ"إلهيم"وأحيانا بلفظ"يهوه"، فأخذ يفصل بين الفقرات التي تتضمن الاسم الأول وتلك التي تتضمن الاسم الثاني، فحصل على نصين منفصلين ومتوازيين. ولاحظ بعد هذا الفصل غياب التكرار الذي كان موجودا في النص الأصلي، كما لاحظ أيضا زوال الخلط التاريخي (وهذا أمر من الأمور التي كانت وما زالت تحرج قارئ الكتاب المقدس) . ثم عزل"أستريك"النص الذي لا وجود فيه لذكر"الله"، وهذا نادر، ثم النص الذي يتعلق بالشعوب الأجنبية غير بني إسرائيل، وهو نص يتألف من ثمانية وثائق صغيرة، وكذا وثيقة تتعلق بغزو الملوك الأربع (تكوين 14) وأخرى خاصة بأحفاد إسماعيل (تكوين 25:12 ـ18) ووثيقتين تتضمنان قوائم الآدوميين (تكوين 36) . ويرى أستريك أن موسى جمع هذه المدونات الإثني عشرة الأصلية وكتبها على أربعة أعمدة، غير أن النساخ فيما بعد صاغوا من هذه نصًا واحدًا، بعد أن قرأوا أسطر الأعمدة الأربعة ـ سطرًا سطرًا ـ متصلة ببعضها أفقيًا، دون أن ينتبهوا إلى أنها كانت أعمدة، كل عمود منها مستقل بأسطره عن الآخر، ومن هنا وقع التداخل بين الوثائق المختلفة. وقد شعر أستريك بثقل المهمة التي تعترض الباحث في وثائق الكتاب المقدس بعد اكتشافه هذا (68) .
لقد فتح هذا العمل عهدًا لقرنين من البحث النقدي في التوراة (أخماس) ، فهو أول محاولة تعتمد نظرية المصادر المتداخلة، ولم يختلف عمل أستريك كثيرًا في تقسيماته عن عمل Welhausen (69. ومنذ ذاك الحين أصبح اعتماد الفروق في اسم"الرب"(معيارًا للتفرقة بين المصادر.
أثارت هذه النظرية ردود فعل متضاربة، فاستقبلت في فرنسا بعدم المبالاة، وانقسمت الآراء حولها في ألمانيا، وكان Eichhorn من مؤيدي Astruc وتجلى ذلك في كتابه مدخل إلى العهد العتيق الذي أصدره سنة 1781م (70) .
لقد وطد"إشهورن"النظرية بأن أضاف إلى معيار اسم الرب أمورًا أخرى، مثل الأصول والأنواع الكتابية والمعاني الدينية، وفرق بين المصادر المتداخلة، وحاول إرجاع النص إلى حقيقته الأصلية باستخراج الإضافات وإظهار النواقص.
ونشر Hupfeld سنة 1853م دراسة حول مصادر التكوين (71) بَيَّنَ فيها أن المصدر الذي بَيَّنَهُ أستريك باسم"إلهيم"هو في حقيقة أمره مصدران أو روايتان أو وثيقتان مختلفتان أسلوبًا ومضمونًا. فأطلق على المصدر الأول"التشريع الكهنوتي"، وترك للثاني اسم"إلهيم".
وبعد سنة من ذلك التاريخ أصدر Riehm كتابًا بعنوان تشريع موسى في بلاد مؤاب (72) ، وتناول فيه بالدرس سفر تثنية الاشتراع، واعتبره مصدرًا قائمًا بذاته.
وبهذا تتكامل نظرية المصادر الأربعة في عمومها:"اليهوي"و"الألوهي"و"الكهنوتي"و"تثنية الاشتراع".
لقد أصبحت نظرية المصادر الأربعة أساسًا في نقد التوراة، ولكنها صارت في نفس الوقت محلًا للنقد، سواء بالرفض أو بالوسم بالقصور وعدم التوصل إلى كل العناصر التي يتركب منها أصل الكتاب المقدس، أو عدم الدقة في تحديد التواريخ ... إلخ.
آثار نقد الكتاب المقدس