فهرس الكتاب
وتوابعه؟ آملين من ذلك إبراز جانب لم يهتم به الدارسون كما ينبغي، أو أن الذين اهتموا به لم يسلكوا المسلك الذي يجب أن يتبع لإبراز جهد هذا العالم وريادته في علم مقارنة الأديان (61) .
ولا نستطيع أن نتناول بالتفاصيل ردود سبينوزا لنصوص الكتاب المقدس وانتقاداته لمحتواها، لأن هذا يتطلب حيزًا أكبر يخرج عن نطاق دراستنا هذه. ولكن ذلك لا يمنعنا من تلخيص نظريته في خطوط عريضة، فهو يرى أن:
1.ما فهمه مدونو التوراة على أنه خطاب إلهي إلى غير موسى هو أمر غير سليم، لأن الخطاب لم يستعمل إلا مجازًا، كقول التاجر أن الله أعطاه مالًا، في حين أنه هو الذي سعى لكسب هذا المال. ولا يصح أن يدعي أحد بأن الله خاطب نبيًّا من الأنبياء إلا بدليل، لذلك فالمُخَاطَبُ وحده هو موسى.
2.قانون الله وشريعته ووصاياه هداية عامة لكافة البشر، وقانون التوراة خاص ببني إسرائيل دون غيرهم، وهذا غير ممكن.
3.الوعد بالجزاء في الديانة الحق هو وعد روحي يعد بالسعادة الأبدية، ووعد التوراة دنيوي لا غير.
4.اللغة مقوم أساس لفهم النص، واللغة العبرية التي وصلتنا يكتنفها كثير من الغموض والتشوش. هذا ولم يترك علماء التوراة واللغة القدماء مصادر تقنن لنحو اللغة وتاريخها وتطورها، ولا معاجم تحدد معانيها، وذلك جعل مدوني التوراة يضيفون المعانيَ للألفاظ ويستعملون بعضها باعتبارها مترادفات، مع أن الأمر قد يكون على غير ذلك في لغة البلاغ الأصلي الذي جاء على لسان موسى، فلغة العبرانيين مرَّت بمراحل تطور فضفاضة وكتابة اللغات السامية متشابهة، فرسم الدال يشبه رسم الراء، ورسم الباء يشبه رسم الكاف، ورسم الهاء يشبه رسم الحاء، ورسم السين يشبه رسم الميم في آخر الكلمة. كما أن الحرف العبري القديم كان خاليًا من علامات ترمز للحركات أو للوقف، فنتج عن هذا كله قاعدة، سماها النحاة فيما بعد، قاعدة المقروء والمكتوب. وبمقتضى هذه القاعدة نقرأ 1350 لفظًا قراءة مخالفة لرسمها (62) .
5.يؤكد العقل أن البيان الإلهي للحقائق كان في النص الأصلي واضحًا وجليًا، تحمله عبارات وألفاظ لا تحمل ـ في ظل لغة البلاغ الأصلية ـ غمامًا يجعل غَسَق الفضفضة يكتنف المعنى. ولكن عندما تكررت كتابة محتوى هذه النصوص في الأسفار المتعددة وترجماتها، اصطبغت معانيها بمقاصد كاتبيها وظروفهم ومواطنهم.
6.كل الأسفار المسماة بأسماء الأنبياء والأشخاص هي منحولة عليهم، وكتبت بعد عهودهم بزمن طويل.
7.الأحداث التاريخية في التوراة مشوشة ولا علاقة لها بالتسلسل الزمني، فهي احتطاب لأحداث ووقائع وضعت في غير سياقها التاريخي.
8.كثير من الأماكن والمواضع جاءت بمسميات لم تكن معروفة حين وقوع الأحداث، فهي أيضًا منحولة، وكل ما تعلق بها من أحداث قد وقع فيما بعد، ثم أقحمه المدونون في غير موضعه.
ولا نريد أن نُفَصِّلَ القول في كل ما جاء في كتاب سبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسة، لأن ذلك سيخرجنا عن غرضنا الذي هو الإشارة إلى سلسلة النقد التوراتي المبني على النظر في النص على ضوء المنطق والحساب والوقائع والأحداث التاريخية، وتحليل أعمال الكتاب والمؤرخين. ولكن لا بأس في هذا الصدد من تلخيص النتائج الأساسية التي توصل إليها سبينوزا فيما يتعلق بالجزء الأول أي التوراة ـ وهو الذي يعنينا في بحثنا هذا ـ وبعض الأسفار الأخرى من العهد العتيق:
يرى سبينوزا أن طريقة الكلام والاستشهادات ومجموع النصوص الخاصة بقصة موسى ونسبة التوراة إليه، كل ذلك يشير إلى أن موسى لم يكن هو كاتب هذه الأسفار، بل كتبها شخص آخر عاش بعد موسى بقرون عديدة (63) ، ذلك الشخص هو عزره. والنتيجة أن الجمع كان متأخرًا عَمَّا كان يعتقده علماء اللاهوت التقليديون، وكان يختلف أيضًا عَمَّا تصوره سبينوزا، إذ يرى نقاد التوراة أن الأصل فيها قديم، أما نصها الحالي فيرجع تاريخه إلى ما بين القرن الثامن والثاني قبل الميلاد. بل يرى البعض أن ليس في الأسفار ما يرجع إلى ما قبل القرن الخامس قبل الميلاد (64) .
فتح سبينوزا بكتابه المشار إليه، وكذا النزاع الذي أثاره (1638 - 1722 م) بمؤلفاته في مواجهة البروتستانتية (65) و فتح هؤلاء حركة نقدية لم تقتصر على فرنسا وهولندا فحسب، بل عَمَّتْ أوروبا بأجمعها، لأنها صادفت مخاض الحركة الإصلاحية السياسية والدينية والاجتماعية. ومن أهم نتائج هذه