الصفحة 35 من 111

نظرًا لطبيعة مضمون التوراة، كتابة ولغة وتاريخًا، ونظرًا لتضارب الآراء في نسبة الأسفار، ولاختلاف المذاهب اليهودية والتقاليد المسيحية في ترتيبها وعددها، نظرًا لذلك كله ظهرت مدارس نقدية للتوراة، ركزت بعض تلك المدارس على النظر المنطقي والفهم العقلاني، وبعضها اعتمدت التحليل الفيلولوجي، وثالثة اعتمدت المكتشفات الأركيولوجية، ورابعتها جمعت بين كل ذلك.

سبينوزا وابن حزم الأندلسي، وغيرهما

يعتبر سبينوزا وابن حزم الأندلسي من أبرز نقاد مدونة التوراة، بل إن الغربيين عَدُّوا سبينوزا رائدًا لنقد نصوص التوراة، فقد كان يعتمد العقل واللغة مرتكزًا للنظر والفهم (57) . ولم يَدَّعِ سبينوزا الريادة لنفسه في هذا المقام، بل ذكر أستاذه ـ غير المباشرـ إبراهام بن عزره (تـ 1167) الذي أبدى شكوكه في مضمون التوراة عندما شرح التكوين والتثنية.

والواقع يؤكد أن الأستاذ الحقيقي لسبينوزا ولأستاذه ابن عزره كان ابن حزم الأندلسي. وصلة الوصل واضحة، فابن عزره أندلسي الموطن والثقافة، وتتلمذ على علماء المسلمين في الأندلس، وأخذ عنهم مجمل المعارف المعروفة آنذاك، من لغة وتفسير وعلوم رياضيات وفلك ... إلخ. وكان ابن حزم من الأعلام الذين كانت لهم الريادة في كثير من المجالات، في فهم المجتمع والناس، وظهر ذلك في كتبه مثل الأخلاق والسِّيَر، وفي الأنساب (جمهرة أنساب العرب) والتواريخ، وفي التجديد في النحو والفقه (مذهب الظاهرية) ، وفي الأدب"طوق الحمامة"، إلى غير ذلك. ولكن ريادته كانت أبرز في علوم الأديان ومقارنتها ومناظرة أهلها، وكان يناظر أحيانًا بالحسنى، خاصة في مناقشاته مع النصارى واليهود بصفتهم يشاركونه المواطنة، بل والمعارف أيضًا، وأحيانًا كان يناظر بشيء من العنف، وذلك عندما يضع النصوص الدينية على محك النقد. لقد ناظر وجادل في قضايا توراتية مختلفة تتعلق بتاريخ الكون وتاريخ البشر وتاريخ الأنبياء، وانتقد الخلط الواقع في الحديث عنهم، ونسبة ما لا يليق بهم، والقول في الله بما لا يوافق العقل، وانحراف بني إسرائيل أيام موسى وبعده، والتغيير الواقع في النص التوراتي.

واستخدم ابن حزم في نقده هذا أفضل المناهج الفيلولوجية، وأدق مناهج المقارنات النصية المبنية على المنطق والحساب كما نعرفها اليوم. وكثير من المراجع الحديثة التي اعتمدناها، والتي أرخت لبني إسرائيل وتناولت كتاب العهد العتيق بالنظر، اتبعت منهج ابن حزم دون أن تشير إلى ذلك، بل الأصح أن نقول دون أن تدري بذلك. وذلك لأن مرجعها الأساس كان سبينوزا الذي، وإن لم يشر إلى ابن حزم مباشرة ضمن مصادره، إلا أنه أشار إلى ابن عزره تلميذ ابن حزم الذي شاركه العلم والموطن.

وإذا قلنا إن سبينوزا لم يعرف ابن حزم، فإننا نجزم بأن إبراهام بن عزره وغيره من يهود الأندلس كانوا يعرفونه حق المعرفة، لأن ابن حزم خاصمهم علمًا وسياسة في"الرد على ابن النغريلة اليهودي" (58) ، وصادقهم وارتبط بهم إنسانيًا كما يبدو في كتاب"طوق الحمامة"، ولم يُعَنِّفْ منهم إلا من اعتبره خارجًا عن حدود الشرع علمًا، أو خارجًا عن حدود الاستقامة مسؤوليةً.

إن رسائل ابن حزم المنطقية والفلسفية، وكتاباته الجدلية والتاريخية كلها تفصح عن هذا. وحجر الأساس في نقده لليهودية هو كتاب الفَصْل في الأهواء والملل والنِّحَل (59) .

ولا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا بأن علماء المسلمين، بدءًا من المفسرين إلى أقطاب علوم الكلام والفلسفة، كلهم كانوا أساتذة ليهود الأندلس في باب النظر في النصوص الدينية بعين العقل، وبالأدوات اللغوية والبلاغية والأصولية. ويمكننا أن نقول إن ابن ميمون نفسه وأبناء تبون وابن جرسون وغيرهم، كلهم أعادوا النظر في فهم التوراة، نظرًا لتأثرهم بمناهج علماء الكلام في الأندلس. غير أن منهجهم لم يسر بعيدًا ليشكك في النص، وإنما آثروا تأويل النصوص، وهذا ما يدل على رفضهم لمنطق التوراة بظاهرها النصي، ولذلك اعْتُبِرُوا من أقطاب نقد التوراة بعد ابن حزم وقبل أبراهام بن عزره، فنقدهم يصنف ضمن أعمال الخاصة لا العامة (60) .

ويختلف ابن عزره عن غيره من النقاد لأنه اعتمد ابن حزم الأندلسي الذي انتقد النصوص صراحة ولم يلجأ إلى تأويلها. وفي هذا كان ابن حزم أستاذًا لأبراهام بن عزره ولسبينوزا، لأن نقد هذين الأخيرين لم يتخذ التأويل منهجًا لحل مبهمات العهد العتيق، ولكنه أخذ ينظر في تناقضاته المختلفة، ويناقش عدم توافقه مع صدق الواقع في الأحداث والتواريخ ومستوى اللغة، ويبرز عمل الإنسان الذي أخفى، بما أدخله على النصوص، حقيقة ما جاء في رسالة السماء. بل كانا يناقشان مفاهيم اللغة التي إذا خرجت عن سياقها، أو إذا استعملت بعض الكلمات على أنها مرادفات، تحول المعنى كلية عن المقصود الحقيقي، فلا هو صدق بدلالة العبارة ولا هو ضرب من المجاز.

هذا هو لُب نقد ابن حزم الذي كان فاتحة علم مقارنة الأديان والنظر فيها. وأملنا أن نخصص دراسة نبحث فيها في المصادر اليهودية التي اعتمدها ابن حزم، وخصوصًا نسخ التوراة، وهل كان له نظر في التلمود

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت