الصفحة 34 من 111

وللتلمود مختصرات وشروح كثيرة، لعل أفضلها بالنسبة للتلمود البابلي هو شرح الرِّبِّي شلموه بن إسحاق، المعروف بـ"رشي". وأجودها اختصارًا وشرحًا للتلمود الأورشليمي، هو شرح موسى بن ميمون، المعروف بـ"مشنه تورا"أو اليد القوية (56) .

3.المدرشيم:

ومفرده"مِدْرَش"من الجذر"درش"أي درس، وهو نفس الجذر العربي. ويعني المصطلحُ كل الدراسات التفسيرية والتشريعية، والاجتهادات والقواعد الأخلاقية، المبنية على النص المقدس، والتي يذهب فيها أصحابها بعيدًا عن ظاهر النص لينفذوا إلى أعماقه، وليستنبطوا منه استنباطات لا تترك جانبًا من جوانب الكتاب إلا واستفادت منه. وينقسم بدوره إلى:

* مدرش هلخا: ويتناول النص بالتفسير والبحث والاستنباطات التشريعية. وقد يختص الدرس بجانب معين من جوانب التشريع.

* مدرش هگدا: وهو درس يُتَوسع فيه، في الأخبار والروايات التاريخية، ويستخرج منه الدَّرْشَان (الواعظ أو الفقيه) تفاسير وتأويلات تناسب واقع الحال الذي عليه اليهود إبانها.

وكان للخيال دور كبير في هذه الدراسة، مما جعل الأحداث والوقائع تختلط بالأسطورة وبكل تصور غريب لا يقبله العقل والفكر.

وقد اهتم"المدرشيم"بالأخبار والروايات والمأثورات الشعبية. ومن أشهر"المدرشيم"وأكثرها تميزًا"مدرش هگدا"و"مدرش ربا".

* مدرش ربا، أي التفسير الكبير: ويستند على الروايات والأخبار لشرح الأسفار الخمسة، وكذا نشيد الأناشيد والجامعة والأمثال ومراثي إرمياء وروث وإستير. وجرت العادة بأن يُنْعَتَ كل سفر مُفَسَّرٍ من أسفار العهد العتيق بـ"ربا" (كبير) فتفسير سفرالتكوين هو"بريشيت ربا"والخروج"شموت ربا"... ألخ. وغالبا ما كانت تلقى هذه"الربوت" (التفاسير الكبرى) في الكنيس أو أمام جمع من المستمعين، وينطلق فيها المتحدث من نص توراتي ليتجول بسامعيه في المواضيع المشار إليها.

وجُمعت أدبيات هذه"الربوت"خلال قرون، إذ دونت فيما بين القرن السادس والثاني عشر الميلاديين.

وبعض المدرشيم تنسب إلى أشخاص بعينهم، مثل"مدرش تنحوما"الذي فسر الأخماس كلها (التوراة) وكان ذلك في حوالي القرن الرابع الميلادي.

والواقع أن كتابة المدرشيم لم تنقطع أبدًا، فهي موجودة أينما وجد اليهود والبيعة، فقد ورث الفكر اليهودي إرثًا كبيرًا من هذا النوع من الأدبيات، تركه الأحبار في الشرق والغرب الإسلاميين، ذلك أن أهمية المدرشيم ارتبطت بشهرة مؤلفيها.

ولا يمكننا فصل المضمون الأدبي والفلسفي الذي أنتجه القرَّاؤون، وهم فاتحو المذهب العقلاني اليهودي، والعلماء الربيون، مثل سعديه كؤون الفيومي ويحيى بن بقودا، ويهودا اللاوي، وموسى بن ميمون، وأبراهام بن ميمون، وأسرة بني تبون، وابن عزره، وغيرهم كثير.

لقد اختلط المضمون الأدبي والفلسفي بالنص المقدس، لأن هؤلاء كانوا يشاركون في الاجتماعات الكنسية الكبرى، وكان دورهم الاجتماعي وأحيانا السياسي يفرض عليهم أن يتحدثوا ويخاطبوا الجمهور، فكان مضمون كلامهم هذا"مدرشيم"يعتمد النص المقدس مع النظر في الأحداث والقضايا التي عاصروها.

هذه هي أهم المصادر اليهودية، تاريخًا ومعاصرةً، أوجزناها في هذه الصفحات.

ونعتقد أن الوقوف بموضوعنا عند هذه النقطة، لا يستجيب لهمنا العلمي ورغبتنا المعرفية. لذلك لابد من الرجوع إلى علم له أهميته في الدراسات اللاهوتية والدينية، وله أهميته في الكشف عن أسرار كثير من القضايا التي تحدثنا عنها أعلاه، وأعني بذلك نقد التوراة.

الفصل الثالث

نقد مدونة التوراة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت