الصفحة 4 من 111

ولا يخفى على المفكرين المعاصرين ما ترتكز عليه هذه الموضوعات من أهمية، ذلك أن البحث في أصول الرسالات السماوية وتوثيقها هو حقٌّ للناس كافة، لأن الوثائق التي تمثل أصول الرسالات التي نزلت على الأنبياء تهمّ شعوب الأرض جميعًا، وكذلك الحفاظ عليها هو فرضٌ على البشرية، إذ أن ضياع أصول تلك الرسالات يؤدي إلى ضياع معالم الدين، وتفرق الناس عن الصراط المستقيم. وكيف يرتضي أهل الخير والصلاح ضياع أصول الخطاب الذي نزل إليهم من ربّ العالمين.

لذلك، كان من المناسب أن تبدأ قاعدة المعلومات الإسلامية على الإنترنت بمعالجة قضايا الوحي ولغات الرسل وتوثيق الرسالات السماوية، سعيًا إلى الحفاظ على الإرث الديني والحضاري الذي هو ملك للإنسانية جمعاء.

ونظرًا إلى أهمية هذه الدراسات، رأت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ضرورة إخراجها في هذا الكتاب. ويسرني أن أتقدم بالشكر والتقدير إلى مؤلفيه السادة الأساتذة، الدكتور عبد العزيز بنعبد الله، والدكتور محمد المختار ولد اباه، والدكتور أحمد شحلان، والدكتور عبد العزيز شهبر، والدكتورة هبة نايل بركات.

وندعو الله أن يعمّ بنفع هذا العمل القراء من مختلف الثقافات، وفقًا لدعوة القرآن الكريم: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} .

والله الموفّق.

الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري

المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة

باب تمهيدي

الوحي في حياة البشر

د. عبد العزيز بنعبد الله

تمهيد

قالت الرسل بوجود عالم آخر يخلد فيه الإنسان ـ بعد محاسبته على ما كان يعمل في الدنيا ـ إما في النعيم وإما في العذاب المهين.

لو جاءنا شخص لا نعرفه ليبلغنا بأحداث تجري في مكان ما نتوجه إليه، فإننا نأخذ قوله في الحسبان، فنحتاط لتلك الأمور ولو كانت مظنونة. فإذا كانت صفات الرسل تَنِمُّ عن رجَاحَة عقولهم ورِفْعة خُلُقهم وتَرَفُّعِهِم عن الكذب، فلماذا نُنكر وجود العالم الآخر!

وإذا كنا نتوارث المعرفة في مختلف المجالات، جيلًا عن جيل، منذ خلقنا، وقد تلقينا عن الآباء تأكيدًا بحقيقة العالم الآخر. فهل نأتي اليوم لنشكك في جميع ما نرثه عن الآباء والأجداد حول العالم الآخر، فننكر الله والحساب والحياة الآخرة؟ ألم يكن بين أسلافنا رسل كرام؟ وهل لنا مصادر معرفة أو دليل حاضر بين أيدينا يقطع بعدم البعث بعد الموت؟ وهل التأمل في الطبيعة من حولنا وعناصرها المترابطة والمنتظمة لا يعطينا دلالة على وجود خالق للكون؟

إذًا فالحكمة تقتضي الإيمان بالله والتصديق بالعالم الآخر والحساب. وليس على الأرض من شعوب ولا قبائل إلا وتعرف ماذا يعني لفظ الله أو الرب أو الإله، فهو خالق المخلوقات وإليه تُرجَعُ الأمور، وأمامه يكون الحساب في عالم سنصعد إليه بعد الموت. إن قدم تلك العقيدة وشيوعها بين الشعوب والأمم يؤكد بأنها ليست من ابتكار شخص ما، وإنما هي من قبيل الحقائق التي يعرفها الإنسان منذ وجوده، وإن الذين يَشُذُّونَ فيُنْكِرون البعث والعالم الآخر لا يمتلكون أدلّة على مذهبهم الإلحادي، إضافة إلى أنه ما من فرد يُلحِد جهلًا بوجود الله، بل الإلحاد معارضة وتجاهل لعلم كائن في ضمير الملحد، فالملحد يعلم ماذا تعني كلمة الله وصفات الخالق وقدراته على تسيير الكون. إن الله سبحانه وتعالى لم يُقَصِّرْ في حق الخلق أفرادًا وشعوبًا، فما من إنسان ولا حيوان إلا وقد غرس الله في نفسه إدراكًا فطريا بوجود الله وعظمته ومطلق قدرته ونزاهة صفاته.

سيرة مختصرة عن أشهر الرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت