إن الوحي هو المصدر الأوحد للعقيدة والشرائع السماوية، والموحي هو اللّه، يدعو الخلق إلى الإيمان بألوهيته ووحدانيته وصفاته وملائكته ورسله، والتصديق بما حملته الكتب السماوية من شرع أصيل، ومنها الزبور والتوراة والإنجيل، والقرآن خاتمها.
ولقد انبرى أعداء الدين في كل زمان إلى التشكيك في الوحي، فهب العلماء والمفكرون لتفنيد مزاعمهم بالمنطق والحقائق العلمية. وكان الهدف من ترويج هذه المفاهيم الباطلة هو نقض مفهوم الوحي، ولكن الإرادة الإلهية الأزلية تجلت من خلال هذا الوحي، في حكمة عليا تَسَلْسَلَ الداعون إليها وهم الرسل الكرام وفي خاتمتهم سيدنا محمد، عليه الصلاة والسلام، الذي توالى الخبر برسالته عبر الرسالات السماوية السابقة ومآثرها المادية الباقية.
إن الهدف من تسلسل الرسالات هو التذكير بالحكمة الإلهية من خلق الكون وكُنْهِ مشيئة اللّه وعِلْمِهِ، ومراعاة تبدل الظروف بتغير الملابسات والأحوال البشرية عبر العصور، والدعوة بالترغيب والترهيب إلى حساب الآخرة. وتلك حِكَمٌ أساسها مفهوم الحركية الدائبة في حياة الإنسانية {ما نَنْسَخ من آية أو نُنْسِها نَاتِ بخير منها أو مثلها} (سورة البقرة، الآية 105) . فهذا النسخ المتلاحق لا يشمل الأسس العقدية الراسخة، وإنما يستهدف بعض المفاهيم والأحكام العملية {شرع لكم من الدين ما وَصَّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصَّيْنَا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} (سورة الشورى، الآية 11) . فشريعة الله واحدة لا تتغير، وإنما الاختلاف بين الرسالات لا يكون إلا في بعض الأحكام العملية تبعًا لما يستجد من أحداث. وقد ظهر معظم الرسل في ظروف تَحَكَّمَتْ خلالها في سلوك البشر عادات وأعراف منحرفة عن المسار الذي شرعه الله سبحانه وتعالى للناس.
وجاءت الرسالة المحمدية، التي أشارت إليها من قبل كتب سماوية سابقة، وهي خاتمة الرسالات، كما بَيّن القرآن {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللَّه وخاتم النبيين} (سورة الأحزاب، الآية 40) وفي الحديث الشريف >مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به يعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة! وقال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين< (1) وسنأتي ضمن هذا البحث بما يعزز ذلك من آيات في بعض الكتب المنزلة.
وهذه الختمية في الرسالة المحمدية تتسم بطابعين اثنين، وهما:
أولًا: أنها موجهة للناس كافة {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا} (سورة سبأ، الآية 28) وقوله، عليه الصلاة والسلام، في الحديث المتفق عليه: > .. وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة< (2) .
ثانيًا: أنها جاءت بشريعة ميسرة تعتمد على أركان رئيسة هي: الإيمان بالله ووحدانيته وبجميع أنبيائه ورسله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا.
الرسالات تتواكب مع تاريخ البشر
وقد نتساءل لماذا تعددت الرسالات في مناطق مختلفة، وربما في نفس العصر ونفس المنطقة، ولماذا يتعاقب نزول الوحي، فهل سبب ذلك وفاة الرسل أم ضياع الرسالات وانحراف المفاهيم، فيكون التصحيح برسالات جديدة لازمًا؟
هنا يجب أن نتحرى الحكمة من تعاقب الرسالات وما اختصت به كل رسالة، ومناحي بعث الرسل تترًا لتصل الدعوة إلى جميع البشر.
الإيمان فطرة في النفس البشرية
كان الناس في بداية التاريخ البشري على الفطرة التي فطرهم اللّه عليها، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: {كان الناس أمة واحدة فبعث اللّه النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} (سورة البقرة، الآية 211) . ومعنى ذلك أن الناس كانوا، في عهودهم الأولى منذ آدم، على الهدى ودين الحق، ولكنهم اختلفوا عبر الأجيال وتنازعوا فبعث اللّه النبيين.
وهذه الهداية الربانية شاملة لكل البشر لمحبة الحق إياهم جميعًا، فهم مؤهلون بالفطرة لتقبل الخير. عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: >كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه< (3) ، وذكر ابن عبد البر أن ذلك عام في جميع المولودين. فالتقدير أن كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه مثلًا، فيميل عند بلوغه إلى مايحكم به عليه. ولقد أكد الله