الصفحة 80 من 111

الباب الثالث: محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، ورسالته د. محمد المختار ولد اباه

الفصل الأول

محمد صلى الله عليه وسلم والوحي

لما قاربت سن محمد صلى الله عليه وسلم الأربعين (1) ، وكانت تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، حبب إليه الخلاء، فكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور ـ على مبعدة نحو ميلين من مكة، وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع من ذراع الحديد ـ فيقيم فيه شهر رمضان، يطعم من جاءه من المساكين، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون، وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة، وتصوراتها الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا سبيل قاصد يطمئن إليه ويرضاه.

وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له، وَلِيُعِدَّهُ لما ينتظره من الأمر العظيم. ولابد لأي روح، يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى، لابد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة وهمومها، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة.

وهكذا دبر الله لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى، وتغيير وجه الأرض، دبر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات، ينطلق في هذه العزلة شهرًا من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء ذلك الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله (2) .

لغة محمد صلى الله عليه وسلم

نشأ محمد وتربى في المجتمع العربي المكي. وكانت لغة ذلك المجتمع العربية، واشتهر فيه فصحاء وبلغاء وشعراء، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم شاعرًا، ولم يكن يحب منتدى الشعراء. وقد اشتهر بأنه محمد"الصادق الأمين".

وكان المجتمع المكي يرتكز على ثقافة شفوية، وكان من أشد المجتمعات فقرًا في عدد من يلِمُّون بالقراءة والكتابة. ولم يكن محمد يعرف الكتابة ولا القراءة من كتاب. لم يغادر محمد مكة قبل الوحي إلا في رحلتين قصيرتين: الأولى برفقة عمه وكان عمره 13 سنة. والرحلة الثانية كانت السيدة خديجة قد اختارته للإشراف على تجارة لها إلى الشام، وكان عمره تقريبًا 25 عامًا. وكانت مدة كل من الرحلتين لا تتجاوز شهرًا.

لذلك لم يكن لمحمد أن يلم بلغة أخرى إلى جانب العربية من خلال هاتين الرحلتين القصيرتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت