الصفحة 81 من 111

جبريل ينزل بالوحي

ولما تكامل لمحمد صلى الله عليه وسلم، أربعون سنة ـ وهي رأس الكمال، وقيل: ولها تبعث الرسل ـ بدأت آثار النبوة تلوح وتتلمع له من وراء آفاق الحياة. وتلك الآثار هي الرؤيا، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت (تحققت) مثل فلق الصبح، حتى مضت على ذلك ستة أشهر، >ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة< (3) . فلما كان رمضان من السنة الثالثة من ارتياده صلى الله عليه وسلم لغار حراء، شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض، فأكرمه بالنبوة، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن (4) .

وقد اختلف المؤرخون في الشهر الذي نزل فيه الوحي، وأقوى الآراء أنه شهر رمضان، لقوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} (سورة البقرة، الآية 184) و {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (سورة القدر، الآية 1) ومعلوم أن ليلة القدر تكون في شهر رمضان.

ومن ذلك نستطيع تحديد تاريخ بدء نزول الوحي إلى محمد بأربعين سنة قمرية، وستة أشهر و12 يومًا (نحو 39 سنة شمسية وثلاثة أشهر و12 يومًا) ، مضت منذ ميلاده (5) .

مدة الوحي

نزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في بضع وعشرين سنة.

كان محمد صلى الله عليه وسلم يتحنث في غار حراء الليالي ذات العدد قرب مكة، فكان يبقى فيه الساعات الكثيرة، يتعبد ويتفكر ويدعو، حتى نزل عليه جبريل في اليقظة قائلًا: {اقرأ} فيجيبه محمد: ما أنا بقارئ. ويراجعه المَلَكُ، ويَشُدُّ على صدره حتى يبلغ منه الجهد، فيعي منه أول سورة من القرآن نزلت من السماء إلى الأرض، وهي سورة العلق. وأول آية أوحيت إلى خاتم المرسلين من هذا الكتاب الذي أُنْزِلَ داعيًا إلى التي هي أحسن، مبشرًا للمحسنين، ونذيرًا للمجرمين الظالمين، وهي: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} (سورة العلق، الآية 1) .

نزل هذا القرآن على مُكْثٍ وليُقْرَأ على الناس مرتلًا ترتيلًا، فهو {كتاب أحكمت آياته ثم فُصِّلت من لدن حكيم خبير} (سورة هود، الآية 1) . نزل بلسان عربي مبين {آلر. تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآنًا عربيا لعلكم تعقلون} (سورة يوسف، الآيتان 2 - 1) ، لينذر {أم القرى ومن حولها} (سورة الأنعام، الآية 93) {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه لِيُبَيِّنَ لهم} (سورة إبراهيم، الآية 4) ، ثم أمر الله رسوله بأن ينذر الناس جميعًا {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرًا ونذيرًا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (سورة سبأ، الآية 28) فجاهد هو وأصحابه لينذر كل من يمكنه أن يوصِلَ إليه البلاغ بتلك الرسالة العالمية، التي يعتبر العلم بها حقًا من حقوق الإنسان. أما الإيمان بما جاء فيها فلا يكون إلا طواعية. فالإنسان عليه أن يختار بين الإيمان وجني ثمراته أو الكفر مع تحمل تبعاته. وإذا كان المسلمون قد جاهدوا لإيصال العلم بتلك الرسالة العالمية الخاتمة إلى الشعوب والأمم، وحاربوا من أجل كسر شوكة الحكام الذين يعترضون طريق الدعوة، إلا أنهم لم يجبروا أحدًا على دخول الإسلام، فالإيمان لا إجبار فيه. يقول الحق سبحانه وتعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أ فأنت تكره الناس حتى يكونوا مسلمين} (سورة يونس، الآية 99) .

لقد كان نزول القرآن يوافق الأحوال والظروف التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحياها في تبليغ رسالته، فكانت السور الأولى منه تثبت فؤاده وتخبر بأن رَبَّهُ أرسله إلى قومه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى عبادة إله واحد لا شريك له، هو خالق السماوات والأرض، ومسخر الليل والنهار والقمر والنجوم، ومسخر الفلك في البحر، ومبدئ الخلق ومعيده.

ولكن الملأ من قريش لا يريدون التخلي عن عبادة آلهة الآباء، فكذبوا محمدًا وقالوا إنه مجنون، لم يأت إلا بأساطير الأولين. ويكبر على الرسول تكذيبه، ويستوحش، ويتعب، وتحاصره قريش ويؤذونه في الصلاة، ويقاطعون قومه، وترفض بقية العرب نصرته على قريش، وتسخر منه صبيان ثقيف في الطائف، وترميه بالحجارة حتى تدمي رجلاه فيضطر إلى الجلوس من الألم والتعب (6) . ولكن القرآن لا يتركه إلى اليأس، فما ودعه ربه وما قلاه، وما أقوى إيمان الرسل!

وكان التنزيل في السنوات الأولى يحث الرسول على متابعة الرسالة، وينذر الناس ويأمرهم بعبادة الرحمن وحده، وينهاهم عن عبادة أوثان لا تنفع ولا تضر، ويُحَذِّرُهُم من عذاب الآخرة بعد البعث. وتستمر قريش في التكذيب وجحود النشأة الثانية بعد الموت والحياة الآخرة، قائلين إنهم لن يبعثوا بعد أن يكونوا رفاتًا وعظامًا نخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت