فهرس الكتاب
ولكن القرآن يمضي في النذر وضرب الأمثال، فالله الذي خلق السماوات والأرض، وخلقهم من قبل، قادر على أن يبعثهم مثل ما أَحْيَى الأرض بعد موتها، وكذلك النشور. وكما ضرب القرآن هذه الأمثلة لقريش، فقد ضرب كذلك الأمثال للرسول، عليه الصلاة والسلام، وقص عليه قصص الأنبياء السابقين الذين عُذِّبُوا في سبيل دينهم، وأوذوا في تبليغ رسالاتهم، ولكنهم صبروا لأنهم كانوا على يقين بأن الله سوف ينصرهم ويذل عدوهم وعدوه من المجرمين الظالمين.
وتطلب قريش من النبي أن يعطيهم آية تدل على صحة ما يقول، ومنهم من يستغرب أن الملائكة لم تأت معه، وأن ليست معه الكنوز، وأنه ليس إلا رجلًا مثلهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ومنهم من يقول له، كما جاء في القرآن: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تُفَجِّرَ لنا من الأرض ينبوعًا. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرًا. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كِسفًا أو تأتي باللَّه والملائكة قِبَيلًا. أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيِّك حتى تنزِّل علينا كتابًا نقرؤه} (سورة الإسراء، الآيات 93 - 90) . فيضيق صدر الرسول ويحزن، ولكن الله يوحي إليه أن يقول لهم: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا} (سورة الإسراء، الآية 93) ، وإنما الآيات من أمر الله وحده، وليس للبشر أن يأتي بآيات الله وفقًا لهواه، ولو ابتغى نفقًا في الأرض أو سلَّمًا في السماء. ولو شاء الله لجمع الناس على الهدى، ولكن الله يفعل ما يريد.
ويحث الله تعالى رسوله على متابعة الرسالة، وعلى الثبات عليها وعدم الامتراء فيها، والصبر على أذى الكفار وكيدهم، والعاقبة للمتقين.
كان هذا في المرحلة المكية، وبعد الهجرة استمر الوحي لبيان الشريعة وتنظيم أحوال الأمة الإسلامية، دينًا ودنيا.
لغة الخطاب القرآني
إن هذا الخطاب وصلنا عن طريق وسيلة واحدة وبلغة واحدة، فوسيلته محمد ابن عبد الله، النبي الرسول، عليه الصلاة والسلام، الذي بَلَّغَ عن الله تعالى القرآن الكريم، وهو كلام الله الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم وحيًا يوحى، بألفاظه وما تحمله من معانٍ.
يقول الحق سبحانه وتعالى: {إنا أنزلناه قرآنًا عربيا لعلكم تعقلون} (سورة يوسف، الآية 2) .
{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} (سورة إبراهيم، الآية 5) .
والقرآن هو الكتاب الذي {لا ريب فيه هدى للمتقين} (سورة البقرة، الآية 1) ، والله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم أنزل عليه كذلك الحكمة (السُّنَّة) التي نطق بها لسانه وعَلَّمَهَا أمته ليبين لهم أمور دينهم، وليزكيهم ويعلِّمهم ما لم يكونوا يعلمون.
والكتاب نزل بلسان عربي مبين، والحكمة النبوية نطق بها محمد الذي آتاه الله جوامع الكلم، فكان أفصح من نطق بلسان الضاد.
الإعجاز البلاغي للقرآن
أجمع العرب في ماضيهم وحاضرهم، وسيظلون على ذلك في مستقبلهم، أن البلاغة القرآنية فريدة وتأتي في أعلى مراتب اللغة العربية. ولم يستطع أحد من البشر ولن يستطيع أن يأتي بمثل آيات القرآن وسوره، ولا يقدر على ذلك أفصح الناس لسانًا وأبلغهم حجة وبرهانًا.
وكان محمد صلى الله عليه وسلم أميًا لا يقرأ ولا يكتب من كتاب، وإنما عُرِفَ قبل الرسالة بـ"الصادق الأمين". وذلك يعني أن القرآن نزل لفظًا ومعنى من عند الله: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا} (سورة الإسراء، الآية 88) .
الفصل الثاني
جمع القرآن وتوثيقه
حفظ القرآن وكتابته في عهد الرسول
كان القرآن ينزل منجمًا بمناسبة الأحداث التي تجري في المجتمع، والاستفسارات التي يطرحها الناس حول الوقائع والأحكام والعبادات ... إلخ. فكيف جمع القرآن ورتبت آياته وسوره؟