الصفحة 83 من 111

الحفظ الشفاهي:

كان الحفظة من الصحابة يحفظون الآيات شفاهة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: >خذوا القرآن من أربعة، من عبد الله بن مسعود، فبدأ به، وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأُبَيِّ بن كعب< (7) . فالحديث يشير إلى كمال ودقة حفظ هؤلاء للقرآن، فهم الذين كانوا يسمعون ويحفظون عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة. أما ترتيب الآيات والسور، فقد كان الوحي يراجع القرآن على الرسول. وفي هذا الإطار يتم ترتيب الآيات والسور بمعرفة الوحي، ثم يبلغه الرسول إلى الكتبة والحفظة ويواليهم بالتوجيه والإرشاد. >عن عائشة عن فاطمة، عليهما السلام: أسرَّ إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم، أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مَرَّةً، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أَجَلِي< (8) .

الجمع الكتابي:

حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: >جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة، كلهم من الأنصار: أُبَيُّ ـ بن كعب ـ ومعاذ بن جبل وأبو زيد وزيد بن ثابت، قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي< (9) ، هذا الأثر يشير إلى من كانوا يكتبون الوحي بإملاء مباشر من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن من الصحابة غير هؤلاء من كانوا يكتبون القرآن من ذاكرتهم الحافظة، أو بإملاء من غيرهم من الحافظين، وبذلك بلغ عدد من جمع القرآن كتابة من الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة، ذكرهم ابن النديم (10) .

ترتيب السور والآيات

ذكر ابن وهب في جامعه، قال: سمعت سليمان بن بلال يقول: سمعت ربيعة يسأل: لِمَ قُدِّمَتْ البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة، وإنما نزلتا بالمدينة؟ فقال ربيعة: قد قدمتا وأُلِّفَ القرآن على علم ممن ألَّفهُ، وقد اجتمعوا على هذا بذلك، فهذا ما ننتهي إليه ولا نسأل عنه. وقد ذكر سنيد قال: حدثنا معتمر عن سلام بن مسكين، عن قتادة قال: قال ابن مسعود: من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا أبَرَّ هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا وأقومها هديًا وأحسنها حالًا، اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم (11) .

وقال قوم من أهل العلم: إن تأليف سور القرآن على ما هو عليه في مصحفنا كان على توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ما روي من اختلاف مصحف أبيٍّ وعبد الله، فإنما كان قبل العرض الأخير، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رتب لهم تأليف السور بعد أن لم يكن فعل ذلك. روى يونس عن أبي وهب، قال: سمعت مالكًا يقول: إنما أُلِّفَ القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر الأنباري في كتاب الرد أن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا، ثم فُرِّقَ على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة. وكانت السورة تنزل في أمر يحدث، والآية جوابًا لمُسْتَخْبِرٍ يسأل، ويوقف جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم على موضع السورة والآية، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف، فكله عن محمد خاتم النبيىن، عليه الصلاة والسلام، عن رب العالمين، فمن أخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة فهو كمن أفسد نظم الآيات وغيَّر الحروف والكلمات، ولاحجة على أهل الحق في تقديم البقرة على الأنعام والأنعام نزلت قبل البقرة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُخِذَ عنه هذا الترتيب، وهو كان يقول ضعوا هذه السور موضع كذا وكذا من القرآن، وكان جبريل، عليه الصلاة والسلام، يقف على مكان الآيات (12) .

وهناك قول ضعيف في احتمال أن يكون ترتيب السور ـ دون الآيات ـ كان باجتهاد من الصحابة، وليس في ذلك ما يقلل من قدر القرآن لأن كل سورة منه تتسم بالكمال والاستقلال.

أما ترتيب الآيات داخل كل سورة، فإن جميع المسلمين متفقون على أن ترتيب الآيات داخل السور كان بتوقيف من الوحي، وفي ذلك أخبار كثيرة (13) .

قال ابن الطيب: إذا قال قائل قد اختلف السلف في ترتيب سور القرآن فمنهم من كتب في مصحفه السور على تاريخ نزولها وقدم المكي على المدني، ومنهم من جعل في أول مصحفه الحمد ــ أي الفاتحة ــ ومنهم من جعل في أوله اقرأ باسم ربك وهذا أول مصحف علي، رضي الله عنه. وأما مصحف ابن مسعود فإن أوله: مالك يوم الدين ــ أي الفاتحة ــ ثم البقرة ثم النساء على ترتيب مختلف. ومصحف أبيّ كان أوله الحمد لله ــ أي الفاتحة ــ ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم الأعراف ثم المائدة، ثم كذلك على اختلاف شديد. قال القاضي أبو بكر الطيب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت