الصفحة 84 من 111

فالجواب أنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه اليوم في المصحف كان على وجه الاجتهاد من الصحابة، وذكر ذلك مكي، رحمه الله، في تفسير سورة براءة.

وذكر أن ترتيب الآيات في السور ووضع البسملة في الأوائل هو من النبي صلى الله عليه وسلم، ولما لم يأمر بذلك في أول سورة براءة، تركت بلا بسملة (14) . ونرى أن الأمر كذلك أيضًا في ترتيب السور، وعليه أهل العلم (15) .

وقد روي عن عائشة، رضي الله عنها، أن عراقيًا سألها: >قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك. قالت: لِمَ؟ قال: لعلي أُوَلِّفُ القرآن عليه فإنه يقرأ غير مؤلف. قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصَّل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أوَّل شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا. لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم، وإني لجارية ألعب {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمرّ} ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده. قال: فَأَخْرَجَتْ له المصحف فأملت عليه آي السور< (16) .

تطور توثيق القرآن بعد وفاة الرسول

في عهد أبي بكر الصديق: تم الوحي بنزول آخر آية قبل التحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى (11هـ632م) ولكنه ترك كتابًا كاملًا لا يضل من استمسك به ورعاه حق رعايته، فكانت عناية المسلمين به بالغة: حفظوه في صدورهم أولًا بأول منذ أن كان ينزل وإلى أن اكتمل، وكتبوه في الأدم والأكتاف والحجارة، فكان من الصحابة، رضي الله عنهم حفاظ وقراء وكُتَّاب.

وتدل الآثار الصحيحة على أن الرسول ترك مصحفًا بعد وفاته، ربما كان مصحف أحد الصحابة من كتبة الوحي مثل زيد بن ثابت. وعائشة، رضي الله عنها، كان لديها مصحف (17) .

ولما استَحَرَّ القتل في حفظة القرآن خلال معارك الردة في خلافة أبي بكر، أجمع الصحابة الكرام على إخراج مصحف يشتمل على صحف متناسقة، ويكون ملكًا للدولة في عناية ولاة الأمور، لأن أغلب ما بيد الناس من صحف مطهرة كان مدونًا على رقاع الجلد وسعف النخل، وهو إن كان مكونًا لمصاحف متكاملة، إلا أنه عرضة للضياع والتفرق.

كان ذلك رأي عمر بن الخطاب، فألحَّ على أبي بكر في ذلك، فاستدعى أبو بكر زيد بن ثابت لهذه المهمة. وبذلك تم إخراج مصحف منسق ومتكامل وأصبح ملكًا للأمة، فكان عند أبي بكر إلى أن مات، ثم صار عند عمر إلى أن مات، ثم أصبح عند حفصة أم المؤمنين (18) ، إلى أن طلبه الخليفة عثمان بن عفان ليقدمه إلى الصحابة الذين كَلَّفهم بكتابة"مصحف إمام"كما سيأتي بيانه.

في خلافة عثمان بن عفان (35 - 23هـ656 - 644م) : بعدما انتشرت رقعة الإسلام، وتفرق الحُفَّاظ في الأمصار، وكان الناس يكتبون المصاحف بالسماع من هؤلاء الحفظة، ويدونونها وفقًا للهجات أوطانهم، وكان بين الناس خلافات في قراءة بعض الألفاظ وكتابتها، فقال حذيفة بن اليمان للخليفة عثمان بن عفان: >أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى< (19) ، أي قبل أن تستفحل تلك الاختلافات لتصل إلى معاني الآيات ودلالاتها فيتسرب التحريف إلى كتاب الله.

لقد انتشر الإسلام في ذلك العصر من خراسان إلى برقة ومن اليمن إلى آذربيجان، وعند المسلمين أزيد من مائة ألف مصحف، وليست قرية ولا محلة ولا مدينة إلا والمعلمون للقرآن موجودون فيها (20) . وقد أخذ الخليفة بنصيحة حذيفة بن اليمان فأمر بإخراج مصحف مكتوب برسم تتوحد عليه أقلام وألسنة العرب، ونُسِخَ منه عدد لفائدة الأقاليم. ثم أُذِّنَ في الناس بإحراق ما خالف ذلك المصحف، ليس لأن ما بأيدي الناس من مصاحف كان يحتوي الخطأ، ولكن إيذانًا بأن الوقت قد حان لالتفاف المسلمين حول نص كتابي برسم واحد يكون هو"المصحف الإمام"، فيقرأ بنطق سليم من مختلف شعوب العرب، ويعتمد عليه في نقل المصاحف، وإليه يكون المرجع عند الشك والاختلاف.

أما من حيث قوة التوثيق، فإن المصحف الإمام يعلو ما كان منتشرًا بأيدي الناس من مصاحف وقتئذ، فهذه كان أصحابها يكتبونها منفردين بالسماع من القراء، بينما المصحف الإمام تم نقله من المكتوبات الأصلية وروجع على ما في صدور حفظة القرآن، وأخرج على يد جمع من الصحابة، هم: زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الله بن الحارث بن هشام (21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت