فهرس الكتاب
ولوحظ على هذه المصاحف بعض التباين في الكتابة، وهو تنوع محدود ليس فيه اختلاف تضاد أو تناقض، وإنما هو توسعة على أهل الأداء، لأن الرسم العثماني كان خاليًا من الشكل والنقط، فاحتمل تعدد أوجه القراءة، وفقًا لحديث الأحرف السبعة المذكور آنفًا.
وكانت عناية العلماء بالحفاظ على صورة الرسم العثماني بالغة، فمنعوا إجراء أي تغيير عليه بزيادة أو حذف، أو تطبيق ما جدّ من قواعد الإملاء عليه، واحتفظوا بكتابة الكلمة، ولو كانت مغايرة للنطق. فظهر ذلك في كتابتهم: {والسماء بنيناها بأييد} (سورة الذاريات، الآية 47) بيائين. وكتبت >نشاء< مرة بالألف بعد الهمزة، ومرة >نشؤاأيها< تارة بالألف، وأخرى دون ألف.
واحتفظ كذلك بكل ما جاء موصولًا أو مقطوعًا، لمنع أي تبديل في الرسم العثماني، المصطلح عليه بالسواد.
وفي أول الأمر تحرج العلماء من زيادة النقط والشكل، إلا أنهم في أواخر القرن الأول اضطروا لهذه الزيادة دفعًا لضرر آخر وهو الخطأ في القراءة، وهذا ما حدا بـ"أبي الأسود الدؤلي"أن يضيف شكلًا في صورة نقاط لضبط حركات الكلمة في البناء والإعراب، فجعل النقطة بين يدي الحرف للضم، وفوقه للنصب، وإذا كانت تحته فهي على الكسر. وجاء بعده"نصر بن عاصم"الذي أتى بنقط الإعجام للفصل بين الحروف المتشابهة، مثل الباء والتاء والثاء، وبين الجيم والحاء والخاء، ونحو ذلك.
وقد اصطلح على هذه الزيادات بمصطلح"الإعجام"، واجتهد العلماء الأوائل أن يستعملوا للشكل والنقط حبرًا يخالف لون الرسم الأسود للكلمات، ولكيلا يُظَنُّ أنه منها. ثم تطور هذا الضبط في القرن الثاني الهجري، فأدخلت على الحروف علامات الهَمْزِ والمَدِّ والإمالة على يد"الخليل بن أحمد الفراهيدي" (تـ 170هـ789م) فبقي الرسم محفوظًا مُمَيَّزًا، دون حاجة لمخالفة لونه للون الشكل والنقط.
وقد أَلَّفَ القُرَّاء في خط المصحف عدة مصنفات، منها كتب: أبي عمرو الداني في الرسم والنقط، وأنظام الخراز المغربي، ورسم الطالب لعبد الله الشنقيطي.
لقد حافظ المسلمون على رسم المصحف وضبطه وتفننوا في كتابته وزخرفتها، فأبدعوا روائع من خطوط المصاحف، واشتهر منهم نساخ مرموقون، أمثال: ابن البواب وابن مقلة والرفاعي المغربي.
* الركن الثالث: صحة الإسناد:
وهو أهم أركان ثبوت القرآن لأن كل ما صح سنده فهو عربي، ومرسوم في المصحف.
لقد كان القراء من الصحابة، ومن جاء بعدهم، يعطون الأولوية لصحة الإسناد. ففي مرحلتي الجمع وتطور التوثيق السابق ذكرهما، لم يقبلوا إلا ما أثبته العدول وتعدد رواته، وبذلك تكون الرواية بالتواتر ثابتة ومستقرة لكل ما جمع من القرآن في المصاحف. وتشددهم في الرواية جعلهم يستبعدون بعض الجُمَلِ الواردة في مصاحف خاصة، انفرد بها قراء معروفون، من أمثال عبد الله بن مسعود وأُبَيِّ ابن كعب، لأنه تبين بعد التدقيق والمقارنة أنها زيادات إيضاحية وتفسيرية، أدخلها أصحابها قبل أن تنضج لديهم ملكة تنظيم الكتابة إلى الدرجة التي يفصلون فيها بين منطوق الوحي والشروح التي أضافوها.
ثم إن الأمة أجمعت على تواتر قراءة سبع من الأئمة المذكورين في كتاب ابن مجاهد، وهم: نافع بن عبد الرحمن المدني، وعبد الله بن كثير المكي، وعبد الله بن عامر الدمشقي، وأبو عمرو بن العلاء البصري، وعاصم بن بهدلة، وحمزة الزيات، والكسائي. ثم إن القراء اتفقوا على تواتر ثلاثة آخرين، وهم: أبو جعفر المدني، وخلف البزار، ويعقوب الحضرمي.
وهذه القراءات محفوظة بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وانتشرت عند علماء الأمصار وجمهور القراء، ودونت في مجموعة من المصنفات، مثل: كتاب ابن مجاهد، وكتب القاسم الشاطبي، وقصيدة حرز الأماني التي نظمت مضمون كتاب التيسير لأبي عمرو الداني، ثم أكملها المحقق ابن الجزري بقصيدة سماها الدُّرَّة، وهي على منوال قصيدة الشاطبي، وصارت كلا القصيدتين مرجعًا رئيسًا في تدريس القراءات.
ثم كان من صنيع القراء أن وضعوا أسسًا دقيقة لنقد الروايات، وبَيَّنُوا درجاتها من صحة الإسناد، ولم يجيزوا ما شذَّ منها عن الأصول الثلاثة، بحيث يقول ابن الجزري:
وحيثما يختل ركن أثبت ... شذوذه لم أنه في السبعة