فهرس الكتاب
التفسير ومناهج المفسرين
يتضمن الخطاب القرآني آيات محكمة واضحة الدلالة، وآيات مجملة لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم، وآيات متشابهة استأثر الله وحده بعلمها. ولهذا فإن عامة المسلمين يحتاجون إلى بيان القرآن بما يؤثر من السُّنَّة والحديث النبوي المفسر للقرآن، وما نقل عن أعلام الصحابة والتابعين.
ولقد اهتم العلماء بعلوم التفسير وسلكوا مذاهب متنوعة بسبب اختصاصهم. فاللغويون تناولوا مسائل المعاني والإعراب، مثل ما فعل أبو عبيدة والفراء والسراج. وتناول بعضهم مسائل البلاغة ووجوه الإعجاز، مثل ما جاء في كشاف الزمخشري وتفسير البيضاوي. أما الفقهاء فقد اعتنوا بأدلة الأحكام وأصولها، نحو كتب ابن العربي المعافري المالكي، وأبي بكر الجصاص الحنفي.
ومن العلماء من حاول أن يكون تفسيره جامعًا شاملًا للمأثور من الحديث وأقوال الصحابة وعلماء اللغة وأئمة المذاهب الفقهية. ومن أشهر التفاسير الجامعة تفسير محمد بن جرير الطبري قديمًا، ومحمد الطاهر بن عاشور حديثًا، وغيرهم. ومن أجودها تفسير عبد الحق بن عطية، وتفسير محمد بن أحمد القرطبي، وتفسير أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، وتفسير شهاب الدين الألوسي، وغيرهم. وتوجد كتب تعنى بشرح مناهج التفسير مثل التفسير والمفسرون للذهبي.
* معجم التفاسير القرآنية:
تهتم المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بالتعريف بأشهر مفسري القرآن الكريم، لذلك أصدرت الجزء الأول من"معجم التفاسير"ويتضمن تراجم لثمانين مفسرًا ومعلومات أساسية عن أعمالهم ومناهجهم في التفسير، وتتصدر هذا المعجم مقدمة تعرف بنشأة التفسير وتطوره وازدهاره (36) ، وسيصدر الجزء الثاني من هذا العمل قريبًا، ويتضمن حوالي مائة تفسير.
نبذة عن فهم القرآن ومعانيه وأحكامه
يمكن تقسيم الخطاب القرآني إلى أربعة أقسام من حيث البيان (37) :
المحكم: أي واضح الحكم والدلالة، مثل قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (سورة البقرة، الآية 184) ، وهو الغالب الأعم من آيات القرآن.
المتشابه: وهو ما استأثر الله بعلمه، مثل قوله تعالى: {الم} (سورة البقرة، آل عمران، العنكبوت، الآية 1) . و {حم} (سورة الشورى، الزخرف، الدخان، الآىة 1) ونظائرها في فواتح السور.
الظاهر: وهو ما يحتمل معنيين وهو راجح في أحدهما، مثل قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} فالصلاة قد تعني الدعاء، ولكنها هنا تعني العبادة المعروفة. ومن قبيل الظاهر ما ورد في العموم والإطلاق.
المجمل: وهو الذي يحتاج إلى تفسير، كألفاظ المشترك، ومن أمثلتها قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} (سورة البقرة، الآية 226) لأن القرء قد يعني الطهر وقد يعني المحيض.
توجيه الخطاب القرآني
يتوجه الخطاب في القرآن الكريم إلى محمد صلى الله عليه وسلم باعتباره خاتم الأنبياء والمرسلين، ثم إلى الذين آمنوا من الناس، ثم إلى أهل الكتاب، ثم إلى جميع الناس عامة.
يقول الله تعالى مخاطبًا النبي: {يا أيها الرسول بَلِّغْ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بَلَّغْتَ رِسَالاتِهِ} (سورة المائدة، الآية 69) . وخطاب التبليغ فرض على الرسول، ليكون {مبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا} (سورة الأحزاب، الآيتان 46 - 45) فعليه بمقتضى هذا الخطاب دعوة الناس إلى توحيد الله وطاعته، والتصديق برسله، وهي أمانة قال الله فيها: {إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا} (سورة المزَّمِّل، الآية 4) وأمر الله في هذا الخطاب الرسول أن يبين للناس شريعة الحق، فأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، ووضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم في الجاهلية بعد انحرافهم عن مِلَّة إبراهيم، فأبلغهم الدين الخاتم الذي ليس فيه حرج ولا مشقة، فقال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج مِلَّة أبيكم إبراهيم هو سمَّاكم المسلمين من قبل} (سورة الحج، الآية 76) وقال سبحانه: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد مِنَ الْغَيِّ} (سورة البقرة، الآية 255) .