فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 19

بعد ذلك اشتغلت عند رجل كان أزهريا في الأصل؛ درس في الأزهر وتخرج من الأزهر، وجاء إلى الشام، أصله من التلّ: الشيخ سعيد الأحمر رحمه الله، فكان يشتغل ساعاتيا قريبا من الجامع الأُموي، بمنطقة اسمها المسكيّة، وكان كلها مكتبات، وفيها بعض دكاكين الساعتية، فوالدي رحمه الله لا يعرف اللغة العربية، لمّا رأى هذا الشيخ بعمامة بيضاء ولحية سوداء وجبة، وهو يشتغل ساعاتي، قال له: هل تشغل هذا الولد عندك؟ فقال له: من أين أنت؟ فقال: من كوسوفا، يعني في يوغوسلافيا. فقال له: قد جاءني رجل من حرستا وعرض عليّ خمس ليرات ذهبية عثمانية على أن أعلم ولده، وأبيت، ومع ذلك باعتبار أنك غريب وولدك غريب؛ دعه عندي، وإن شاء الله سأعلمه هذه الصنعة.

وهذا الرجل في الحقيقة جاء في اليوم الثاني من الذي أتيت إليه فيه إلى الدكان أولا أعطاني مصحفا من القرآن الكريم، وقال لي: اقرأ يا بنيّ شيء من القرآن، فقرأت، فقال لي: أنت أين قرأت القرآن؟ فقلت له: قرأت القرآن عند الشيخ صبحي العطار رحمه الله. قال: قراءتك جيدة، وتجويدك جيد والحمد لله! ثم سألني عن شيء من علم الصرف، فقال: هل قرأت شيئا في علم الصرف؟ فقلت: قرأت عند الشيخ سليمان غاوجي الألباني -وكان هذا الشيخ رحمه الله جارا لنا في تلك الأيام في منطقة اسمها الديوانية في دمشق. قال لي: اصرِف لي باب نَصَر. وكان الأتراك والألبان وغيرهم دائما يبدؤون بباب نصر؛ تفاؤلا بالنصر، فقلت: نَصر ينصُر نصرا فهو ناصر ذاك منصور لم ينصر لمّا ينصر لِيَنْصر اُنصر لا تنصُر نُصير نصّار ما أنصره أنصِر به. قال لي: ما شاء الله! إذا تعرف الصرف. ثم طلب مني أن أعرب جملة من كتاب للكفراوي في النحو، فأعربتها له، وسُرّ مني، وكان ذلك في يوم من رمضان، فقال لي: من يجب عليه الصيام، ومن لا يجب؟ كنت أحفظ بيتين من الشعر في الفقه من الشيخ صبحي العطار، فقلت له:

عوارضُ الصوم التي قد يُغتفرْ *** للمرء فيها الفطرُ تسعٌ تُستطرْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت