الصفحة 26 من 173

فترى في صلاة التراويح ترتفع أصوات البعض بالنحيب، والنشيج، والتكلف في ذلك لدرجة تصل إلى الصراخ والعويل، وهذا مخالف لمنهج وهدي النبوة، بل كان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في البكاء أنه كان يكتمه فيسمع لصدره أزيز، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أبو داود عن عبد الله بن الشخير - رضي الله عنه - قال:"أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يُصلِّي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل"

وكان بكاء السلف في صلاتهم أو في غيرها لا صياحًا ولا صراخًا، بل ربما يبكي أحدهم وتسيل الدموع ولا يعرف بحاله من هو بجانبه، فكانوا أحرص الناس على الإخلاص وعدم الرياء

جاء في كتاب"صفوة الصفوة" (3/ 239) عن حسان بن أبي سنان:

أنه كان يحضر مجلس مالك بن دينار، فإذا تكلَّم مالك بكى حسان حتى يبل ما بين يديه، لا يُسمع له صوت.

وذكر ابن الجوزي في"تلبيس إبليس صـ 202"آثار تدل على هذا المعني:

عن عاصم قال: كان أبو وائل إذا صلَّى في بيته نشج [1] نشيجًا، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يراه ما فعله.

وكان أيوب السَّخْيِتاني: إذا غلبه البكاء قام، وكان إذا وعظ فرقَّ، فَرَقَ (خاف) من الرياء؛ فيمسح وجهه، ويقول: ما أشد الزكام!"... (المدهش لابن الجوزي) "

وعن محمد بن زياد قال: رأيت أبا أمامة - رضي الله عنه - أتى على رجل في المسجد، وهو ساجد يبكي في سجوده، ويدعو ربه، فقال أبو أمامه: أنت أنت! لو كان هذا في بيتك؟!

وعن الحسن: أنه وعظ يومًا، فتنفّس رجل في مجلسه، فقال الحسن: إن كان لله تعالي فقد شهرت نفسك، وإن كان لغير الله فقد هلكت.

(1) نشج الباكي نشجًا ونشيجًا: تردد البكاء في صدره من غير انتحاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت