الصفحة 52 من 173

فمن الأئمة مَن يتكلَّف البكاء ويفتعله، ويتعمَّد إظهاره لإبكاء من خلفه، وهذا كله خلاف نهج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهديه، فقد كان من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يكتمه فيسمع لصدره أزيز

كما جاء في الحديث الذي أخرجه أبو داود عن عبد الله بن الشخير - رضي الله عنه - قال:

"أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل"

وهذا حال النبي - صلى الله عليه وسلم - في البكاء، لا كما يفعله بعض الأئمة من الصراخ والصياح والعويل.

يقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - كما في"مصنف ابن أبي شيبة"وفي"حلية الأولياء" (1/ 130) :"ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس يفطرون، وبحزنه إذ الناس يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخلطون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا، حكيمًا حليمًا، عليمًا سِكِّيتًا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا، ولا غافلا، ً ولا صخابا، ً ولا صيَّاحًا، ولا حديدًا"

-حال السلف عند البكاء:

يقول محمد بن واسع ـ رحمه الله ـ:

"أدركتُ رجالًا، كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بلَّ ما تحت خدِّه من دموعه لا تشعر به امرأته، ولقد أدركتُ رجالًا يقوم أحدهم في الصف، فتسيل دموعه على خدِّه ولا يشعر به الذي إلى جنبه".

ويقول الحسن البصري ـ رحمه الله ـ:

"إن الرجل ليجلس المجلس؛ فتجيئه عبرته فيردها، فإذا خشي أن تسبقه قام".

("الزهد"للإمام أحمد صـ 262)

وهاهو أيوب السختياني ـ رحمه الله ـ:

كان إذا وعظ فرقَّ، فَرَقَ (خاف) من الرياء فيمسح وجهه، ويقول: ما أشدَّ الزكام. ("المدهش"لابن الجوزي)

فرحمة الله عليهم، أصلحوا حالهم مع الله، فأصلح الله أحوالهم مع الناس، لم يطلبوا الشهرة لكن أبى الله إلا أن يشتهروا، ويُذْكَرُوا، وتَطِيب المجالس بذكرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت