فهرس الكتاب
لقد برهنا سابقًا على بطلان تلك النظريات الوضعية واخفاقها في تفسير ظاهرة التدين. وما أجمل تلك القصة الّتي أوردها الله تعالى في القرآن ، لاِثبات أنّ الدين أمر فطري ، وهي قصة تصور رحلة الإيمان التي خاضها إبراهيم الخليل عليه السلام ، ليُعرِّف قومه أنّ التوجّه إلى الله أمر فطري . إن قصة إبراهيم في القرآن تشير إلى هذه الطريقة في الاستدلال ، وإنّ من جوانب إعجاز القرآن أنّه اختار قصة إبراهيم هذه ، فإبراهيم عليه السلام كان من أقدم الأنبياء ، قبل المسيحية واليهودية ، والقصة قصة إبراهيم نفسه . شاب يرى نجمًا منيرًا فيقول: « هذا ربي » ، وقد يقولها بلهجة استفهام ،أو تقرير ، ثمّ يرى أنّه أفل ، فيدرك أن ما يجده في نفسه من الربوبية والمقهورية ، وأنّه مسخّر ، هو موجود ـ نفسه ـ في ذلك النجم الذي ظنّه الله ! ثمّ يرى القمر أكبر حجمًا ، وأسطع نورًا ، فيقول: « هذا ربي » وإذا به يرى بعد ذلك في القمر ما رآه في النجم ، وفي نفسه يرفضه كربّ. ثمّ يرى الشمس فيقول: « هذا ربي هذا أكبر » . ولكن هذا أيضًا أفل . فغسل يده من كلّ هذه الأُمور ، واستنتج استنتاجًا بسيطًا ، وهو أن كلّ هذا الذي أراه متحرك ، ومسخّر ، وفي حالة دوران ، أي إنّ هناك من يحركه ويُسخّره ، فرأى العالم كلًا مربوبًا واحدًا .
يبين القرآن أنّ تفكير الإنسان الأوّل ، قادرٌ على الوصول إلى أنّ كل ما يراهُ حُكِمَ بحكم المربوبية ، وأنّ الربّ هو الذي لا يتّصف بما تتّصف به أشياء العالم ، عندئذ يقول: ( وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض ) . وهكذا نرى إبراهيم عليه السلام يسبح في فكرٍ صافٍ ، مدفوعًا من قبل نفسه وفطرته ، باحثًا عن مصدر وجوده في هذا الكون الرحيب . لأن روح البحث ، والتطلع إلى ذلك الخالق الأزلي ، قد جُبلَ عليها الإنسان وعجنت بفطرته.