فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 284

وهذه العلّة لا بد أن تكون حكيمة ، ـ خلافًا لنظرية الصدفة ـ لما نرى من الاتساق والتنظيم الذي يكتنف الوجود برمّته ، من الذرّة إلى المجرّة ، فهذا الوجود المتناسق لا يمكن إيعاز علّته إلى أساس فوضوي عشوائي . وكذا يقطع العقل البشرى ، أنّ هذه العلّة ذات حياة ، وعلم ، وقدرة ، وإرادة . ولو تخلّف ذلك ـ بمقتضى قاعدة العلية ـ لا نقطع الوجود وأصبح عدمًا.إذن فمدبّر هذا الوجود ، والمسيطر عليه والمؤثّر فيه ، هو الله تعالى ،لذلك لا بدّ للاِنسان أن يدين بالاعتراف به ، والخضوع إلى أوامره ،التي جاءتنا عن طريق أنبيائه ، وهذا هو الدين . وكما قيل: « البعرة تدلُ على البعير ، والروثة تدلّ على الحمير ، وآثار القدم تدلّ على المسير ، فهيكل علوي بهذه اللطافة ، ومركز سفلي بهذه الكثافة ، لا يدلاّن على اللطيف الخبير ؟! »

ثانيًا ـ قانون الغائية:

وموجبه أنّ كلّ نظام مركّب متناسق مستقرّ ، لا يمكن أن يحدث من غير قصد ، وأن كلّ قصد لا بدّ أن يهدف إلى غاية ، وأنّ هذه الغاية إذا لم تحقّق إلاّ مطلبًا جزئيًا إضافيًا منقطعًا ، تشوّقت النفس من ورائها إلى غاية أُخرى ، حتّى تنتهي إلى غاية كلية ثابتة ، هي غاية الغايات ، وذلك لاَنّ الإنسان ما انفكّ يومًا عن السؤال عن ثلاثة أشياء ، أرّقت مضجعه ، وحيّرت عقله ،وجعلته في فكر دائم وهي:

إنّه من أين أتى ؟ وإلى أين هو قاصد ؟ ولماذا خُلِق ؟

أترى أن هذا الإنسان يعيش في هذه الحياة بلا غاية ولا هدف يسير نحوه وإليه ؟ أتراه قائمًا على وجهه يتخبّط في سير حياته ، لا يدري إلى أين يسير ، ولماذا وجد ، ولماذا يموت ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت