فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 284

مضت ضمن البرهان الثاني الإشارة إلى إثبات الحركة الجوهرية أو التغير السطحي على أقل تقدير إلاّ أننا كنّا ننظر إلى ذلك هناك كمقدّمة لإثبات حدوث المادّة; كي يصبح حدوث المادّة بدوره دليلًا على وجود الله تعالى، أمّا هنا فننظر إلى ذلك كدليل مباشر على وجود الله تعالى; لأنّ نفس الحركة أو التغير أمر حادث فيحتاج إلى محدث أي إلى محرّك ومغيّر، ولا يمكن أن يكون المحرّك أو المغيّر نفس المتحرّك أو المتغيّر; لأنّ الحركة أو التغير إن هما إلاّ الخروج بالتدريج من القوّة إلى الفعل، والمتحرّك أو المتغير يكون قبل تحرّكه أو تغيرّه فاقدًا لتلك الفعلية وناقصًا بلحاظها فكيف يوجدها؟!

البرهان الرابع ـ برهان الإمكان الوجودي (1)

(1) و قد نسبت هذه النظرية الى الفلاسفة الاسلاميين و مفادها: ان سرّ ارتباط المعلول بعلته هو امكانه و افتقاره الذاتي الوجودي. فالممكن في حد ذاته خلو من كل وجود، و اذا ما وجد فانّ وجوده فيض من غيره، فسرّ ارتباط المعلول بعلته امكانه وافتقاره اليها. واليك توضيح الفكرة بأمثلة بيانية: إن العلاقة القائمة بين العلة و المعلول علاقة ارتباطية لااستقلالية، فانك حين تقرأُ كتابًا أو تنظر الى صورة جميلة أو تصافح صديقا لك، فانه سوف توجد بينك و بين كل ما تقدم علاقة، و هذِهِ العلاقة تنتفى بمحض اعراضك عن تلك الاشياء، الا ان انتفاء علاقتك بها لايوجب انتفاء وجودها او وجودك بل يبقى وجودك و وجودها على ما هو عليه، و هذا يعنى ان وجود كلٍّ من الطرفين مستقل عن الآخر، و هذا هو معنى العلاقة الاستقلالية القائمة بين الطرفين. بينما تجد العلاقة القائمة بين حركة اليد و حركة القلم علاقة تعلقية، بمعنى ان حركة القلم تنتفى بمحض قطع علاقتها بحركة اليد، و هذا يعنى ان العلاقة الحاكمة بين حركة اليد و حركة القلم علاقة ارتباطية، أى ان حركة القلم مرتبطة في وجودها بحركة اليد، فلا وجود لحركة القلم من دون حركة اليد، و هذِهِ العلاقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت