فهرس الكتاب
مضت ضمن البرهان الثاني الإشارة إلى إثبات الحركة الجوهرية أو التغير السطحي على أقل تقدير إلاّ أننا كنّا ننظر إلى ذلك هناك كمقدّمة لإثبات حدوث المادّة; كي يصبح حدوث المادّة بدوره دليلًا على وجود الله تعالى، أمّا هنا فننظر إلى ذلك كدليل مباشر على وجود الله تعالى; لأنّ نفس الحركة أو التغير أمر حادث فيحتاج إلى محدث أي إلى محرّك ومغيّر، ولا يمكن أن يكون المحرّك أو المغيّر نفس المتحرّك أو المتغيّر; لأنّ الحركة أو التغير إن هما إلاّ الخروج بالتدريج من القوّة إلى الفعل، والمتحرّك أو المتغير يكون قبل تحرّكه أو تغيرّه فاقدًا لتلك الفعلية وناقصًا بلحاظها فكيف يوجدها؟!
البرهان الرابع ـ برهان الإمكان الوجودي (1)
(1) و قد نسبت هذه النظرية الى الفلاسفة الاسلاميين و مفادها: ان سرّ ارتباط المعلول بعلته هو امكانه و افتقاره الذاتي الوجودي. فالممكن في حد ذاته خلو من كل وجود، و اذا ما وجد فانّ وجوده فيض من غيره، فسرّ ارتباط المعلول بعلته امكانه وافتقاره اليها. واليك توضيح الفكرة بأمثلة بيانية: إن العلاقة القائمة بين العلة و المعلول علاقة ارتباطية لااستقلالية، فانك حين تقرأُ كتابًا أو تنظر الى صورة جميلة أو تصافح صديقا لك، فانه سوف توجد بينك و بين كل ما تقدم علاقة، و هذِهِ العلاقة تنتفى بمحض اعراضك عن تلك الاشياء، الا ان انتفاء علاقتك بها لايوجب انتفاء وجودها او وجودك بل يبقى وجودك و وجودها على ما هو عليه، و هذا يعنى ان وجود كلٍّ من الطرفين مستقل عن الآخر، و هذا هو معنى العلاقة الاستقلالية القائمة بين الطرفين. بينما تجد العلاقة القائمة بين حركة اليد و حركة القلم علاقة تعلقية، بمعنى ان حركة القلم تنتفى بمحض قطع علاقتها بحركة اليد، و هذا يعنى ان العلاقة الحاكمة بين حركة اليد و حركة القلم علاقة ارتباطية، أى ان حركة القلم مرتبطة في وجودها بحركة اليد، فلا وجود لحركة القلم من دون حركة اليد، و هذِهِ العلاقة