فهرس الكتاب
مضى في ما سبق الدليل الخامس من أدلّة وجود الله سبحانه وتعالى ـ وهو برهان الصدّيقين ـ وحاصله: أنّنا لا نتصوّر شيئًا بعد افتراض كون الماهيّات أعدامًا وحدودًا للوجودات إلاّ الوجود المستقل، والوجود التبعي، والعدم، ولا يتصوّر وجود تبعي إلاّ تبعًا للوجود الذاتي; لأنّ الوجود التبعي عين الربط، والوجود المستقل هو عين الوجود بذاته لا يدخله العدم ويكون واجب الوجود، ومضى أنّ الوجود المستقل والذاتي يطرد لا محالة كلّ حدّ من الحدود; لأنّ الحدود إنّما تكون بلحاظ ما يقابل الوجود من العدم.
وهذا كما ترى ينتهي بالضرورة إلى طرد الشريك واستحالة تعدّد واجب الوجود; إذ لو تعدّد لشكّل كلّ واحد منهما حدًّا للآخر; لأنّ أحدهما يجب أن ينتهي منذ أن يبدأ الآخر، نعم الوجود التبعي ـ وهم المخلوقات ـ لا يشكّل حدًّا لوجود الخالق; لأنّ وجود الخالق وجود ذاتي وعيني ومستقل، وهو يختلف سنخًا عن الوجود التبعي، فانتفاء الوجود التبعي المخلوق لايحقّق امتدادًا لوجود الخالق; إذ لو كان يحقق نفي الوجود التبعي امتدادًا لوجود الخالق لكان هذا الامتداد وجودًا تبعيًّا، وهذا خلفٌ، فكذلك ثبوت الوجود التبعي لا يحقّق حدًّا لوجود الخالق; وعليه فالتوحيد الذاتي ـ بمعنى نفي تعدّد واجب الوجود ـ يكون من لوازم وجوب الوجود وذاتيّته واستقلاله.
فإن مشينا على هذا الاصطلاح فما ذكرناه من البرهان يتكفّل بإثبات التوحيد: أمّا الأوّل فقد أوضحناه، وأمّا الثاني فلأنّ الوجود المستقل الذي لا حدّ له ولا ماهيّة بل هو صرف الوجود لا يعقل له جزء، وإلاّ لتمّ برهان الإطلاق على كل جزء منه فلم يبق مجال للجزء الآخر، وهو خلف.
الدليل العلمي:
ونذكر فيما يلي عدّة تقارير للدليل العلمي على التوحيد الذاتي:
التقرير الأوّل: