فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 284

إنّ أحد الإلهين قد أكثر من إرسال الرسل وإنزال الكتب ونسبة جميع آيات الآفاق والأنفس إلى نفسه، فما بال الآخر ـ الذي هو شريكه في الخلق والتدبير ـ ساكت عن ذلك سكوت من يقتنع بفعل صاحبه أو يهمل خلقه؟

ولا يخفى أنّ هدفنا من الدليل العلمي كان أيضًا إثبات التوحيد الذاتي، وإن اختلف عن الدليل الفلسفي الذي أوردناه في أنّ الأوّل كان منصبًا ابتداء على التوحيد الذاتي، ولكن هذا الدليل العلمي أثبت التوحيد الذاتي عن طريق التوحيد في الخلق أو التدبير.

التقرير الرابع:

إنّ الدليل العلمي على التوحيد بالتقارير الثلاثة التي ذكرناها إنّما يثبت التوحيد بلحاظ العالم الذي نحن فيه، ولا ينفي افتراض إله آخر لعالم آخر يفرض مستقلًا عن هذا العالم تمامًا، بخلاف الدليل الفلسفي الذي يثبت التوحيد حتى في مقابل مثل هذا الاحتمال.

إلاّ أنّه قد يقرّر ما أسميناه بالدليل العلمي بتقرير رابع يقترب أكثر إلى البيان الفلسفي، فيثبت أيضًا التوحيد حتى في مقابل مثل هذا الاحتمال، وذلك كأن يؤخذ أوّلًا من الفلسفة استحالة تركّب واجب الوجود من عدد من الأجزاء; للزوم حاجة كلّ جزء إلى الآخر، وهو مستحيل في واجب الوجود أو في الوجود المستقل، أو قل: للزوم حاجة الكلّ إلى أجزائه مثلًا، ثم يقال: إنّ الإلهين إمّا أن يتماثلا من كلّ الجهات فلا يميّز أحدهما عن الآخر فلا يتمّ التعدّد، أو يتماثلا في بعض الجهات ويتباينا في بعض فيلزم التركّب وهو محال حسب الفرض، أو يتباينا كلّيًا فيتناقضان في الأثر فيفسد بذلك العالم وبذلك قد يفسّر قوله تعالى: (لَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض) ، وقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) . وبناءً على هذا التقرير أيضًا لا يبقى موضوع لطرح إشكال: أنّ الحكمة والكمال منعا عن الفساد والانصداع، أو إشكال: أنّ التوافق المسبق منع عن ذلك كما في مشتركين متعددين على مؤسّسة واحدة.

الدليل على التوحيد في الصفات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت